شريط الأخبار

الموت المقدس

عبد العزيز كوكاس

“من بين الحقائق المؤلمة أن ما يربو على نصف الحروب المشتعلة في العالم اليوم، اندلعت بسبب صراعات دينية، وحيث أن جميع الطوائف المتصارعة تؤمن بإلاه واحد، فذلك يعني أن البعض يقتل البعض الآخر في سبيل نفس الإلاه، وإن اختلفوا على تسميته.
الكاتب الأمريكي ساليسبورجر
“أسمع أن الناس غاضبون تتحد الصلاة في قلوبهم والنار” 
أدونيس
الأديان التي تعلم الحب الأخوي استخدمت ذريعة للقتل، و أعظم اكتشافاتنا العلمية صارت أداة دمار شامل — برتراند راسل

أحق القول على الكون، فدُمر تدميرا؟
سهام الموت والقذائف تفقأ رائحة الآنام، حمم الغضب ولهيب النار ترتفع في السماء، تنثر شهب الكراهية، فتسطع نجوم الحقد باسم العشق المكنون لإلاه متفق على توحيده، مختلف على تسميته.. العَدوان يسرجان سفن الموت، يزرعان نثار الدخان في رئة الهواء دفاعا عن إلاه مسالم.
العنف السخيف يوقظ فحيح الفتنة ويقود شعلة الروح نحو شوارع الجحيم.. الحرب الهدامة هي الكائن الوحيد الفرح في كون كاب… يزمجر رعد حارق للضرع والنسل، تتقصف صواعق الهول، والخيل تثير النقع والليل يبدو كما لو تهاوت كواكبه.. كيف تسن البشرية شريعة القتل دفاعا عن نفس السماء؟
باسم الله ينطلق موسم الذبح.. وتدق القبيلة على القبيلة طبول الحرب، باسم الدفاع عن الحق في الجنة، يرمي الإرهابي “أعداء الله” في الجحيم.
تشدو المآذن وتقرع أجراس الكنائس، ويسبح جل الخلق باسم الإلاه الأحد.. يمتلئ الهواء بالرصاص والجمر، ترتدي اللغة بزة عسكرية، والسماء تنزف لهبا وأشباحا.
باسم الإلاه الواحد الأحد تحول شهاب الحروب الواحات الممتلئة خضرة وحبا، إلى بيداء مقفرة تمرح فيها ثعابين الشيطان.. تحمل اللغة نتوء شفرة الحلاقة واللسان المسنون يقد لحم الغير على مائدة الجزار، والحراب المشرعة ترمي السلم في الجب وتتهم الذئب الذي دوما هو آخر، شيطان يوقد نار الكفر ويولم للصقور والعقبان موائد بشرية باسم شريعة السماء.
والله الذي خلق العالم ليستريح من تعب الخليقة، لأيهم سينتصر؟
لرهبان الكنائس، للزهاد في محاربهم وهجعة ليلهم، للأحبار يبكون سر حياد الخالق في مذبحة الهولوكوست، للفلسطيني الذي أعلاه فوق جراحه ليراه، فتخلى عنه.. للهنود الحمر الذين كانوا يلمسونه في ثدي نسائهم وفي ثمر الشجر وأرق السوسن، أم للمجوس الذين رأوه مقتعدا موقد النار؟
والحليم العادل الحكيم كيف سينجو من عتمة الالتباس؟
وهو الذي في كل مكان، منذ الأزل يتفرج على صنيع مخلوقاته، يبدو مسالما ويبكي كل شتاء.. والعباد يبتهلون بالرب الرحيم، اللطيف، العزيز، المبجل.. ويلتمسون نصره، الملائكة والشياطين يبدون مرتاحين في رهج الحروب باسم الدفاع عن السماء.
حتى الصياد يبسمل وهو يحشو ماسورة بندقيته، ليطارد شدو العصافير ويجرح هديل الحمام، بشهوة الهواية حينا ومتعة الاحتراف أحيانا أخرى.
والسياف الذي يجز رقبة في ساحة عمومية للإعدام يبسمل، يحل الذبح بالتكبير باسم الإلاه الأحد، والذين صلبوا المسيح أو شبه لهم، دافعوا عن نفس الإلاه.. والمجازر التي يرشح بها التاريخ ارتكبت بنفس الدافع.. حفظ قدسية السماء، أهذا ما أنقذ الله في سفينة نوح؟
بالأمس كان الاقتتال بين الآلهة المتعددة حول نفس الإنسان، واليوم تقتتل البشرية فيما بينها على نفس الإلاه.. هي حرب البأس الشديد، لواحة للبشر، لا تبقي ولا تدر.. تجعل الغمام متجهما ورصاصيا، والشمس مبتدلة والقمر بلا وجه.. والسماء لها شكل الصياد والإنسان الطريدة.
لو بكى الله يوما، لأغرق الخليقة لتحس بحرقته.
مجرد سؤال:
ما الفرق بين العنف لدى الحيوان وعنف الإنسان؟
هو عند الأول من أجل حفظ النسل، وعند الثاني للقضاء عليه من أجل واحدية الله أو أحادية عبده.
ألهذا سمي الإنسان عاقلا؟
فكتلة أحاسيس الانتقام والقتل وغرائز الحقد والثأر.. محض فيض إنساني.

التعليقات مغلقة.