شريط الأخبار

ذبح طفل بقرية أولاد موسى سلا: أزمات أمنية واضطرابات اجتماعية ومفارقات مجالية

في سياق الهزات الاجتماعية العنيفة التي تعرفها منطقة قرية أولاد موسى بسلا منذ عقود نتيجة توالي جرائم جعلت الرأي العام المحلي يتحرك أكثر من مرة معبرا عن رفضه لمآلات الوضع، نستضيف في هذا اللقاء الحواري السيد عبدالجليل بودربالة كاتب حزب الاستقلال فرع احصين والباحث في السياسات العمومية والخبير في المنظمات المدنية.

   بداية نرحب بكم ضيفنا الكريم، ونود أن نفتتح الحوار بتقديم وصف موجز للمنطقة:

بسم الله الرحمن الرحيم، كل الشكر لجريدة أصوات لثقتها في شخصي وعلى حسن الاستضافة.

وعودة لتعريف المنطقة، فتقع جغرافيا وسط مدينة سلا وإداريا بمقاطعة احصين بجماعة سلا التي تشكل أكبر جزء بها، وتتكون من 8 قطاعات و16 حيا يغلب عليها طابع العشوائية في التصميم باستثناء بعض المقاطع الحديثة.

أعاد حادث قتل طفل بريء بالشارع العام على يد راشد قيل إنه مضطرب نفسيا مشكل التدبير الأمني إلى الواجهة بالمنطقة خصوصا، فما تعليقكم على الحادث.

تفيد المعطيات التي استقيتها من عين المكان وما تم تداوله إعلاميا أنه حتى لو كان مقر دائرة الشرطة مفتوحا وعناصر الأمن متواجدون قرب مكان الحادث نظرا لفجائيته وسرعة تنفيذه، وتبقى المسؤولية قائمة على مستوى سرعة الاستجابة لنداءات المواطنين وطبيعة التدخلين الإسعافي والطبي.

أما فيما يخص اضطراب الجاني نفسيا، فالمسألة مرتبطة بسلة العلاجات النفسية المتاحة على الصعيد الوطني وحجم استثمارات وزارة الصحة على هذا الصعيد ومدى يقظة الجهاز الأمني في احتواء استفحال ترويج الأقراص الطبية المعدة للمرضى النفسيين بشكل غير قانوني، ويوجد بالشارع العام العشرات من المضطربين الذين يوصفون “حمقى” مجتمعيا وقد تدخلت شخصيا بمبادرة مني أو بناء على طلب لمحاولة إيداع أحدهم بالمراكز المتخصصة كمستشفى الرازي، لكن نصطدك دائما بمعطى عدم توفر أسرة فارغة وقلة الموارد البشرية.

ما تقييمكم لأداء دوائر الشرطة بالمنطقة بعد مسيرة غشت 2018.

من حيث الكم سجل تزايد عدد رجال الأمنة وإحداث دائرة إضافية للشرطة خففت الضغط على الدائرتين المتواجدتين سلفا، وذلك في سياق الارتقاء بالمنطقة الأمنية بسلا إلى منطقة أمن إقليمي تشرف على أربع مناطق أمنية جديدة إحداها بسلا الجديدة وتتبع لنفوذها منطقة القرية.

وهذا التحول الكمي صاحبه تحول نوعي في خدمات مرفق الأمن نسبيا ويحتاج للقطع مع سلوكات الريع الأمني لمزيد من المصداقية والنجاعة لكون الساكنة لا تلاحظ أثر هذه المتغيرات بشكل كبير ميدانيا لاعتبارات أقلها استمرار ارتسام المنطقة في أذهان الساكنة كبؤرة للإجرام بمختلف تمثلاته.

ماذا تقصدون بالريع الأمني؟  

ببساطة هناك شبكة مصالح تجمع بعض عناصر الأمن بأشخاص أو تنظيمات معينة لتبادل المنافع كما سبق لأحد المخبرين تفجير ذلك في تسجيل مصور، فيصبح هؤلاء مصدرا لتقاسم المعلومات مع رجال الأمن حول قضايا ما وسماسرة في ذات الوقت، وهو ما يجعل أحيانا بعض القضايا تنحرف عن مسارها رغم سلامة المحاضر المنجزة من طرف الشرطة، والحق أقول أن مسؤولي منطقة الأمن الإقليمي يفتحون باب التواصل باستمرار مع المنظمات المدنية وحتى الأفراد بهذا الخصوص كلما تطلب الأمر ويتخذون ما يناسب.

ما هي الإكراهات الأخرى التي تعيق عمل ما أسميتموه مرفق الأمن وتسهم في استفحال الجريمة؟

نعم هو مرفق لأنه يفترض أنه تعتري الطمأنينة المتعامل معه عكس منطق الخوف السائد مجتمعيا، خوف من الولوج إليه وخوف من القائمين عليه وخوف من طلب خدمته.

أما الإكراهات فعديدة وأولها أن المنطقة ذات كثافة سكانية مرتفعة ويحج إليها يوميا سكان المناطق المحيطة كحي مولاي إسماعيل وحي السلام وسلا الجديدة للتبضع بحكم سمعتها التجارية، وهو ما يفرض مضاعفة الجهود واليقظة إلى أوقات متأخرة من الليل، كما أن كثافة احتلال الشارع العام بشكل يجعل حركة المرور بالسيارات شبه مستحيله في غياب تفعيل مهام الشرطة الغدارية على هذا الصعيد، وكثيرا ما وجدت عربات الامن والإسعاف صعوبات للتدخل أو اضطرت لسلك مسارات أطول.

من جهة أخرى، يساهم ترسخ سلوكات اجتماعية سلبية في ذلك، كالقيام بالتستر على المجرمين وإخفائهم بدعوى “ولد الحومة” و”حشومة أمه مريضة” والضغط على الضحايا لتسجيل التنازلات عن المتابعات.

ولعل أهم إكراه هو كون المنطقة واحدة من أكبر مراكز عبور وتوزيع الممنوعات بالجملة وشبه الجملة (الشيرا، أقراص الهلوسة، الماحيا …)، ويساهم قربها من أكبر مركز وطني عمومي للطب النفسي من سهولة الحصول على وصفقة طبية لاقتناء أقراص الهلوسة من الصيدلية دون عناء.

ولعل غياب وعي قانوني وحقوقي يساهم بشكل كبير في تحول مسار الجريمة من مجرد مخالفة إلى جناية بفعل الرغبة في الانتقام أحيانا أو إبراز قوة الحومة فيما يعرف بنزاعات عصابات الأحياء، أو بفعل عدم اقتناع الغالبية بالأحكام التي تصدر ضد الجناة كالذي يحكم بستة أشهر أو المتابعة في حالة سراح أو البراءة عن اعتراض السبيل المقرون بالضرب والجرح، وهنا وجب على النيابة العامة وقضاة الحكم على صعيد المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف كل فيما يخصه تشديد العقوبة إذا تعلق الأمر بحالات العود أو خطورة الفعل الجرمي على المجتمع.

ما هو مقترحكم للحد من الجريمة؟

إن الجريمة سلوك إنساني أبدي منذ خلق ابنا آدم ولذلك وجد العقاب، وستتمر بشكل او بآخر، وهذا لا يعني ترك الأمور على عواهنها دون تكريس هيبة الدولة.

ولعل مداخل تجويد الخدمة الأمنية على صعيد محاربة الجريمة هو إرساء مفهوم دولة المؤسسات عمليا بمرفق الأمن كي لا يحتاج كل متعامل إلى استخدام العلاقات والرشاوى والزبونية لينال ربما حقا من حقوقها أو ينفلت من العقاب، فكثيرا ما وجد أحدهم نفسه مظلوما لتعرضه للاعتداء ومدانا بالسجن لكون المعتدي استعمل وسائل جعلته صاحب الحق، وأتذكر أني رأيت ذات مرة شخصا في مخفر للشرطة يصرخ لأنهم أحضروا قريبا له مشتكى به ويتوعد بكونه مستخدم بالقصر الملكي جاهلا أن جلالة الملك نفسه دعا إلى تكريس دولة المؤسسات والحق والقانون وتنطق الأحكام باسمه ولا يمكن لأي كان إقحام اسمه في أي نزاع، فحتى الدولة المغربية يمثلها أمام القضاء رئيس الحكومة وليس جلالة الملك.

وفي نفس السياق وجب تكاثف جهود التواصل والتأطير بين المنظمات المدنية ومرفق الأمن لنشر الوعي الحقوقي والتعريف بالمساطر وضمان نجاعة التدخل، إضافة إلى تعزيز مصادرات المخدرات بشتى أنواعها من المصدر.

وكل ذلك لن ينجح ما لم يواكب عمل مرفق الأمن تنزيل تنمية مجالية مندمجة تقوم على التقائية السياسات العمومية محليا مع مساءلة المجالس المنتخبة.

هل نالت المنطقة حضها من تلك التنمية المجالية؟

نعم نالت حضها وزيادة، أقصد من التهميش والسلبية في التدخل، فالعارف بالمجال الترابي لمدينة سلا يسهل عليه أن يدرك أن منطقة بطانة مثلا تتوفر على 7 منتزهات كبيرة إلى متوسطة مجهزة بمختلف المرافق (الغابة الصغيرة، منتزه مولاي رشيد …) على مساحتة لا تتجاوز كليمترين دون الحديث عن قربها من غابة عين الحوالة، أما قرية أولاد موسى التي يتجاوز سكانها 120.000 نسمة فلا أنت على منظر خضرة بها تسير ولا طير فوق راسك يطير، والادهى من ذلك أنه أدرج بتصاميم التهيئة منذ سنة 1988 أكثر من 10 منتزهات بها بقيت على الورق إلى أن جاء تصميم التهيئة الأخير لسنة 2016 ليجهز على أكبر مساحة خضراء معروف محليا باسم “التيران” ويدرجها كمنطقة مفتوحة للعمران في شكل تجزئة.

ولألخص المسالة فمجلس جماعة سلا يعقد سنويا وجوبا 4 دورات عادية ويبرمج خلالها 50 نقطة للمناقشة في المتوسط أي 200 نقطة في السنة، ما يعني أنه منذ سنة 2009 على الأقل تمت المصادقة على 2200 نقطة تقريبا ولم تنل المنطقة منها شيئا إلا ما تعلق ببرامج أفقية مرتبطة بالمشاريع الملكية كتمديد خط الطراوموي وما قد يترتب عنه من تزيين مساره لإضفاء صورة جمالية خارجية على منطقة تبدو من الداخل كامتداد لجبهات الحروب، أما ما يتعلق بكرامة الساكنة فحتى مكان دفنهم لم يعد له وجود.

وما يحز في نفسي أنه في سابقة من نوعها بالمدينة يسيطر حزب واحد على مجلس الجماعة ومجلس المقاطعة ولم يقم بأي تدابير تنموية بالمنطقة رغم مرور أكثر من نصف الولاية.

عذرا، أريد توضيحا بخصوص هذه النقطة الأخيرة فقد يبدو الأمر صراعا سياسيا.

أولا التدافع السياسي محمود ولا ينبغي بكل حال أن يكون صراعا، وثانيا كل من يعرفني يستطيع أن يتذكر حجم ارتباطي بالمنطقة وغيرتي ودفاعي عنها حتى قبل التموقع حزبيا.

ولأجلي الأمر بلا لبس، لا يتقبل كل ذي عقل رجيح أن يتم تبليط المريسة وبطانة عن آخرهما منذ تسعينيات القرن الماضي مع إعادة الهيكلة كلما دعت الضرورة، بينما لم يتم إتمام تبليط نصف أزقة القرية دون الحديث عن عشوائية التبليط بها بين ما هو إسمنتي وما هو “مزفت”، كما أن جل أرصفة الشوارع بالقرية ترابية أو غير موحدة ومبلطة بتدخل ذاتي من الملاك أو التجار، والأمر من كل ذلك أن المرافق الاجتماعية والرياضية بالقرية مسيطر عليها وفق بدعة ما يسمى “مجلس التدبير” وهو عبارة عن جمعية أغلب أعضائها محسوبون على تيار معين يعهد إليها بتسيير المركبات التي أحدثت لغاية إشباع الحاجات الخاصة للمواطنين والسباب خصوصا لتفريغ الضغوط والحد من الإدمان.

وازيد لأوضح أن القرية لا تتوفر حتى على المرافق الصحية (مراحيض عمومية)، ويضطر كثيرون للتبول والتغوط بالملعب الكبير خلف مؤسسة تعليمية ومركز صحي ولا تمر هناك إلا وأنفك مغلق، بل إن سلا المدينة نفسها تعرف ظاهرة ما أسمسه “التبول على التاريخ” لكون أسوارها تتآكل وتحتاج للترميم كل خمس سنوات  أو أقل وميزانية الترميم لمرة واحدة كافية لجعل كل المدينة مغطاة بالمراحيض العمومية المجانية.

إن لعبة مباراة بقاعة بئر أنزران المغطاة المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يكلف 150 درهما للسعاة و200 درهما أحيانا ما جعل قاعة لا تطؤها أقدام الشباب ويفد إليها موظفون من خارج المنطقة لهم قدرة على الأداء، ونفس الأمر ينطلي على ملاعب القرب التي هي في الحقيقة جد بعيدة والمركبات الثقافية ومراكز التكوين.

ومن هنا أوجه رسالة إلى السيد عامل عمالة سلا لفتح تحقيق في الموضوع وترتيب المسؤوليات وإعادة النظرة في نمط التدبير.

 

 

التعليقات مغلقة.