مداخلة السيد الوزير خلال الجلسة العامة لمناقشة تقرير اللجنة الموضوعاتية لتقييم السياسات العمومية في مجال التعليم الأولي اليوم بمجلس النواب

بسم الله الرحمن الرحيم، والصّلاة والسلام على أشرف المرسلين
السّيد الرئيس المحترم
السيدات والسادة عضوات وأعضاء مجموعة العمل الموضوعاتية، ممثلي الفرق والمجموعة النيابية بمجلس النواب؛
السّيدات والسّادة النّواب المحترمين؛
اسمحوا لي بداية أن أتوجه بأسمى عبارات الشكر والامتنان لمجلسكم الموقر على الاهتمام الذي يوليه للمنظومة التربوية من خلال مختلف الأسئلة الشفوية والكتابية والنقاشات القيمة التي تشهدها لجنة التعليم والثقافة والاتصال وكذا من خلال اهتمامكم بصفة خاصة بمجال التعليم الأولي والذي يجسده تكليف لجنة موضوعاتية لتقييم السياسات العمومية في مجال التعليم الأولي الذي يعد ورشا وطنيا يحظى بالرعاية الملكية السامية التي أضفاها جلالته على اللقاء الوطني حول التعليم الأولي الذي نظم بتاريخ 18 يوليوز 2018 بمدينة الصخيرات.
كما أود بهذه المناسبة كذلك أن أتقدم بالشكر لأعضاء اللجنة الموضوعاتية وللفريق الإداري الذي سهر على إعداد هذا التقرير الذي هم الفترة ما بين 2000 و2018 والتي تتزامن مع صدور القانون رقم 05.00 بمثابة النظام الأساسي للتعليم الأولي. كما أؤكد تثمين الوزارة لهذه الخلاصات الهادفة والتوصيات القيمة التي خلصت إليها أشغالها. كما أنوه بالمقاربة التشاركية التي طبعت كل مراحل اشتغالها من خلال تنظيم اللقاءات مع المسؤولين المركزيين والجهويين والزيارات الميدانية التي تم تنظيمها لأربع جهات.
وفي هذا الإطار، يسعدني أن أتناول الكلمة أمام مجلسكم الموقر في إطار التفاعل مع هذه الملاحظات والخلاصات التي جاء بها هذا التقرير وما أعقبه اليوم من مناقشات جادة وبناءة في إطار تدخلات السيدات والسادة النواب المحترمين.
حضرات السّيّدات والسّادة؛
يتزامن تقديم هذا التقرير مع فترة حاسمة تجتازها المنظومة التربوية وهي فترة نهاية الموسم الدراسي التي تتوّج بتنظيم الامتحانات الإشهادية، وما تتطلبه هذه العملية من تعبئة للموارد البشرية العاملة بالقطاع. وبهذه المناسبة أود أن أتوجه بالشكر والامتنان إلى كل الأسرة التربوية بكل مكوناتها من أستاذات وأساتذة وأطر إدارية وتقنية وأطر المراقبة والتأطير على المجهودات الاستثنائية التي تم بذلها خلال موسم استثنائي. وكذا انخراطها الجدي والفعال لإنجاح الموسم الدراسي بالرغم من الصعوبات والإكراهات الناتجة عن الظرفية الاستثنائية التي فرضتها الوضعية الصحية بسبب جائحة كورونا.
كما يصادف إصدار هذا التقرير الشروع الفعلي في تنفيذ مشاريع تنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي يؤسس لنموذج تربوي متجدد سيشكل نقلة نوعية في مسار الإصلاح التربوي بصفة عامة ومجال التعليم الأولي بصفة خاصة.
بالإضافة إلى أن صدور تقرير اللجنة الموضوعاتية تزامن مع صدور تقرير اللجنة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الجديد والتي أوصت بإنشاء منظومة متكاملة للنجاح التربوي تتضمن خمسة مكونات أهمها تطوير تعليم أولي ذي جودة مرتكز على سياسة قوية للطفولة المبكرة تعطى فيها الأولوية لتنمية شخصية الطفل ويتوفر على مكونين يحظون بالتثمين ويستفيدون من تكوينات تتوج بشهادات.
لقد تم تسطير أهداف المشروع رقم 1 من حافظة مشاريع تنزيل أحكام القانون الإطار بالارتكاز على مبادئ الدستور التي نصت على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في الحصول على تعليم عصري مُيسّر الولوج وذي جودة، وأن التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة. بالإضافة إلى الالتزامات الواردة في اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر 1989 التي صادق عليها المغرب وكذا التزامه بتحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030 ولاسيما تلك الواردة بالهدف الرابع والتي تنص على ضمان التعليم الجيد والمنصف والشامل، وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع؛ وكذا ضمان أن تتاح لجميع الفتيات والفتيان فرص الحصول على نوعية جيدة من النماء والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم قبل الابتدائي حتى يكونوا جاهزين للتعليم الابتدائي بحلول عام 2030.
ولابد من استحضار التوجيهات الملكية السامية المتضمنة في الرسالة الموجهة للمشاركين في اللقاء الوطني حول التعليم الأولي المنظم بتاريخ 18 يوليوز 2018 والتي ركزت على أهمية التعليم الأولي في إصلاح المنظومة التربوية، باعتباره القاعدة الصلبة التي ينبغي أن ينطلق منها أي إصلاح، بالنظر لما يخوله للأطفال من اكتساب مهارات وملكات نفسية ومعرفية، تمكنهم من الولوج السلس للدراسة، والنجاح في مسارهم التعليمي، وبالتالي التقليص من التكرار والهدر المدرسـي كما جاء في توجيهات جلالته لتنزيل هذا الورش الوطني الهام.
وقد تم التأكيد على هذه العناية المولوية في الخطاب الملكي السامي ليوم 29 يوليوز 2018 بمناسبة الذكرى 19 لعيد العرش المجيد، الذي اعتبر فيه جلالته أن التعليم الأولي يعد من بين التدابير الاجتماعية المرحلية المستعجلة التي يجب على الحكومة الانكباب على إعدادها و”اضطلاعه على نسبة تقدمها بشكل دوري” لدعم التمدرس والحد من الهدر المدرسي.

حضرات السّيّدات والسّادة؛
تعتبر تربية الطفولة المبكرة استثمارا مهما في أجيال المستقبل. و كل الدراسات والأبحاث في هذا الشأن تؤكد على أهمية هذه المرحلة من عمر الإنسان بالنظر لتأثيرها الإيجابي على مختلف المراحـل الدراسية اللاحقة. كمـا أنهـا مرحلـة أساسـية لنمـو ذكاء الطفـل تسمح له باكتساب كفايات ومهارات خاصة كما يحقق مبدأ تكافؤ الفرص أمام كل الأطفال بغض النظر عن المستوى الاجتماعي لعوائلهم. وهو ما أكد عليه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سواء من خلال الدراسات التي قام بها أو من خلال الراي الاستشاري الذي أصدره سنة 2017 والذي تضمن توصيات تندرج في إطار منظـور إصلاحي شـامل يضمـن ولوج كافـة الأطفال المتراوحـة أعمارهـم بيـن أربـع سـنوات إلـى حـدود اسـتيفاء السـنة الخامسـة مـن العمـر، دون أي تمييـز، إلـى تعليم أولي، عصـري وذي جـودة وجذاب، وذلـك فـي أفـق العشـر سـنوات المقبلـة.
وعلى هذا الأساس فإن البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي الذي انطلق العمل به في 18 يوليوز 2018 يشكل قفزة نوعية واقلاع حقيقي في مسار تحقيق الارتقاء بوضعية التعليم الأولي مع الأخذ بعين الاعتبار كل تشخيصات التقارير ذات الصلة بما فيها التوصيات التي خلص إليه تقرير عمل اللجنة الموضوعاتية. وهو نفس التوجه الذي كرسته مقتضيات القانون – الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي صادق عليه مجلسكم الموقر. حيث بوّأ التعليم الأولي مكانة متميزة في المنظومة التربوية لكونه اضحى طورا من سلك التعليم الابتدائي كما أصبح تعليما إلزاميا بالنسبة للدولة والأسر ومفتوحا في وجه جميع الأطفال البالغين أعمارهم أربع وخمس سنوات على أن يتم فتحه في وجه الأطفال البالغين ثلاث سنوات بعد تعميمه. كما ألزم الدولة بالعمل على تعميمه في أجل لا يتعدى ست سنوات. مع الحسم في تسمية هذا الطور من التعليم حيث تبنى مصطلح التعليم الأولي بدل التربية ما قبل المدرسية وربطه بالتعليم الابتدائي.
وبناء على هذا التوجه خصصت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي لهذا المجال المشروع رقم 1 من ضمن حافظة المشاريع الخاصة بتنزيل مقتضيات القانون الإطار ويتعلق الأمر بمشروع الارتقاء بالتعليم الأولي وتسريع وتيرة تعميمه، والذي يعد امتدادا للبرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي، يصبو إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية وهي:
– أولا: تعميم تعليم أولي منصف ودامج؛
– ثانيا: الارتقاء بجودة التعليم الأولي؛
– ثالثا: تحسين حكامة تدبير مجال التعليم الأولي وضمان استدامة التمويل.
وهنا ينبغي الإشارة إلى أن السيد رئيس الحكومة يولي لهذا الورش أهمية خاصة من خلال تتبعه لمدى تحقيق الأهداف المسطرة في هذا البرنامج حيث عبر مرات عديدة من خلال مداخلاته في هذا المجلس الموقر عن ارتياحه للنتائج المحققة من طرف الوزارة والنسب التي تم بلوغها خلال الموسمين الدراسيين السابقين بحيث تجاوزت ما كان متوقعا ومخططا له.
– فبخصوص توسيع العرض التربوي بالتعليم الأولي:
 عرفت نسبة التمدرس على الصعيد الوطني ارتفاعا تجاوز الأهداف المسطرة في البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي والذي توقع تسجيل نسبة 57.50 % خلال الموسم الدراسي 2019-2020 حيث تم تحقيق نسبة 72.5  بفارق بلغ 23 نقطة مقارنة بسنة الانطلاقة؛
 على المستوى الجهوي فإن الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين قد سجلت، وبدون استثناء، تطورا ملموسا في نسب التمدرس بهذا النوع من التعليم؛
 تسجيل تطور مهم في نسبة التمدرس بالتعليم الأولي بالوسط القروي لتصل إلى 62.4 % خلال الموسم الدراسي 2019-2020، مقابل 33.1 % خلال الموسم الدراسي2017- 2018، بزيادة 29.3 نقطة؛
 ونفس المنحى عرفته نسبة تمدرس الفتيات، حيث انتقلت هذه النسبة من 41.6 % إلى 68,9 % بزيادة بلغت 27.3 نقطة.
– وبالموازاة مع هذا التطور الكمي تم تسجيل تطور نوعي حيث تم إحداث تغيير في بنية التعليم الأولي بتوسيع قاعدة التعليم العمومي وتقليص قاعدة التعليم التقليدي (الغير المهيكل):
 توسيع قاعدة التعليم الأولي العمومي بحصة بلغت 23 % بزيادة 10 نقط بالمقارنة بالحصة المسجلة خلال سنة انطلاقة البرنامج الوطني؛
 تسجيل انخفاض حصة التعليم الأولي التقليدي (الغير المهيكل) للسنة الثانية على التوالي، فقد تراجعت هذه النسبة من 63% سنة الانطلاق إلى 50 % خلال الموسم الدراسي2019-2020 أي بفارق 13 نقطة.
وفيما يخص تحقيق تعليم أولي دامج، تضمن البرنامج الوطني للتربية الدامجة الذي انطلق العمل به في يونيو 2019، تدابير تهم إدماج الأطفال في وضعية إعاقة أو في وضعية خاصة في اقسام التعليم الأولي من خلال احداث أقسام دامجة ببنيات التعليم الأولي بالمؤسسات العمومية تتوفر على المواصفات التقنية من حيث الولوجيات والتجهيزات الملائمة التي تسمح باستقبال الأطفال في وضعية إعاقة. وتجدر الإشارة إلى أنه في إطار الشراكة مع مؤسسة للاأسماء للصم والبكم تم احداث وتجهيز حجرات بمدن طنجة وفاس ومراكش كمرحلة أولى في أفق تعميم التجربة على باقي مدن المملكة.
حضرات السّيّدات والسّادة؛
نصت مقتضيات القانون الإطار رقم 51-17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي على وضع إطار مرجعي للجودة يعتمد كأساس لإعداد دلائل مرجعية لمعايير الجودة حسب كل مكون من مكونات المنظومة ومستوياتها وعلى هذا الأساس ومن أجل الحرص على ضمان عناصر جودة التعليم الأولي أكدت الوزارة على الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين إيلاء هذا الموضوع العناية القصوى سواء من حيث البناءات والتجهيزات واعتماد الإطار المنهاجي الجديد وتوفير المربيات والمربين المتوفرين على الكفايات اللازمة لكون العنصر البشري يعد قطب الرحى في أي عملية تربوية ويتعاظم دوره أكثر في مجال تربية الطفولة الصغرى. ولهذه الغاية حرصت الوزارة وبمساهمة كل الفاعلين في هذا المجال على ضمان توفير الموارد البشرية الكافية والمتوفرة على الشروط القانونية حيث تم تعبئة ما يقارب 46519 مربية ومربي خلال الموسم الدراسي 2019-2020 مقابل 36903 مربية ومربي خلال الموسم الدراسي 2017-2018. ولم يقتصر الأمر على توفير المربيات والمربين فقط، بل إن الوزارة قامت بتنظيم دورات تكوينية لفائدة كل المربيات والمربين العاملين في التعليم الأولي بكل أنواعه وقد تركز هذا التكوين على مستجدات الإطار المنهاجي الجديد بالإضافة إلى تكوينات أخرى في مجالات مرتبطة بالتعليم الأولي وقد بلغ عدد المستفيدين من هذه التكوينات 17013 مستفيد خلال الموسم الدراسي 2019-2020.
كما تجدر الإشارة إلى أن الإطار المنهاجي الجديد للتعليم الأولي الذي يحدد الكفايات التي يتعين على كل طفل اكتسابها بإرتكازه على دلائل بيداغوجية تساعد المربيات والمربين على تملك هذا الإطار المنهاجي وتطبيق توجهاته.
وفي نفس السياق تسهر مصالح الوزارة وبدعم من الشركاء التقنيين على إرساء منظومة للتكوين الأساس والمستمر لتمكين المربيات والمربين من التوفر على الكفايات المطلوبة والمحددة في الدليل المرجعي لوظائف وكفيات مربيات ومربي التعليم الأولي سيتم لاحقا إصداره بمرسوم أخذا بعين الاعتبار التعديلات والتوصيات المقترحة من طرف المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. ويعتبر هذا الدليل المرجعي وثيقة ستمكن من ضبط مواصفات الدخول لهذه المهنة والكفايات الواجب التوفر عليها. اما بالنسبة للمربيات والمربين الممارسين حاليا سيتم وضع نظام للمصادقة على مكتسباتهم المهنية وذلك من أجل توفير الشروط القانونية لتثمين التجربة الميدانية التي يتوفرون عليها وخلق حافز لجذب الكفاءات وتوفير شروط للاستمرار في العمل في هذا المجال.
ونظرا للدور الهام الذي تلعبه مراكز موارد التعليم الأولي فإن مصالح الوزارة تعمل على إعادة تنظيمها بشكل يسمح لها بالقيام بمهام واختصاصات أوسع و ذلك عن طريق الارتقاء بها إداريا إلى مستوى قسم بالأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين وإلى مستوى مصلحة بالمديريات الإقليمية تشرف حصريا على مجال الارتقاء بالتعليم الأولي وتقوم بمهام تقوية قدرات الموارد البشرية العاملة بمجال التعليم الأولي من حيث دعم قدراتها المهنية ومواكبتها للمستجدات البيداغوجية وطرق التنشيط وغيرها كما تختص بتدبير وتأطير مجال التعليم الأولي في كل جوانبه جهويا وإقليميا كما ستقوم هذه المراكز بمهام مرتبطة بالبحث والتوثيق وتقييم جودة التعليم الأولي وغيرها من العمليات ذات الصلة بمجال التعليم الأولي.
ومن المدخلات الأساسية التي تعمل الوزارة على توفيرها من أجل الرفع من جودة التعليم الأولي هيأت مصالح الوزارة دليلا يتضمن المواصفات التقنية التي يستلزم احترامها عند بناء أو تأهيل حجرات التعليم الأولي لتوفير فضاء محفز لتطوير القدرات الذهنية للطفل.
وبغاية تقييم عناصر جودة التعليم الأولي تعمل كذلك مصالح الوزارة والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين على وضع منظومة للتقييم تشمل شبكات معايير التقييم ونظام معلوماتي يسمح بتوفير الآليات العملية لتقييم جودة التعليم الأولي.
ومما لا يخفى عليكم فإن الرفع من جودة التعليم الأولي يستلزم تأهيل التعليم الأولي التقليدي وغير المهيكل وجعله يواكب نظيره العمومي والخصوصي بالنظر لما تشكله حصته من أهمية وإن كانت في تقلص مستمر. ويقتضي تأهيل هذه البنيات جعلها تستجيب للمواصفات البيداغوجية والتقنية المعتمدة من طرف قطاع التربية الوطنية.
وكبادرة مهيكلة من أجل ضبط وتأطير هذا المجال تم إدخال كل الأطفال المسجلين بكل بنيات التعليم الأولي بما فيهم بنيات التعليم الأولي الغير المهيكل في منظومة مسار للتدبير المدرسي الشيء الذي سيسمح بتتبع تمدرس هؤلاء الأطفال منذ هذا المستوى التعليمي.

حضرات السّيّدات والسّادة؛
إن نجاح هذا الورش الوطني هو نجاح لكل الفاعلين المتدخلين في هذا المجال، إلا أن ضمان استدامة واستمرارية تدبير اقسام التعليم الأولي ولا سيما تلك المدمجة في المؤسسات العمومية تقتضي وضع نموذج تدبيري يضمن استمرارية التمويل والتسيير.
وفي إطار إعطاء دينامية جديدة للتعليم الأولي تماشيا مع التوجيهات الملكية السامية الواردة بالرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في اللقاء الوطني حول التعليم الأولي المنظم بالصخيرات بتاريخ 18 يوليوز 2018 والتي دعا جلالته من خلالها إلى “اعتماد شراكات بناءة بين مختلف الفاعلين المعنيين بقطاع التربية والتكوين، ولاسيما في ما يتعلق بالتعليم الأولي”، ومواكبة للجهود المبذولة من أجل توسيع العرض بالتعليم الأولي، والرفع من جودة خدماته، مع ما يستدعيه ذلك من توفير بنيات استقبال كافية لاستيعاب جميع أطفال الفئة العمرية البالغة 4 و5 سنوات، فإن وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي اعتمدت على مقاربة تشاركية لتدبير مجال التعليم الأولي، وذلك بتعبئة وإشراك أكبر عدد ممكن من الشركاء المؤسساتيين والفاعلين الاقتصاديين وجمعيات المجتمع المدني.
وعلى هذا الأساس تم تكليف جمعيات المجتمع المدني بتسيير أقسام التعليم الأولي المدمجة في المؤسسات التعليمية العمومية في إطار شراكة بينها وبين الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين تحدد التزامات كل طرف. وبمقتضى هذه الاتفاقيات تلتزم الجمعيات بتوفير المربيات والمربين وكذا تسيير هذه الأقسام ومن جهتها تلتزم الأكاديمية بتوفير الموارد المالية الخاصة بتأدية أجور المربيات ونفقات تسيير الأقسام وكذا تتبع وتأطير ومراقبة مدى تطبيق الجمعيات المتعاقد معها لالتزاماتها.
ولتأطير هذه الاتفاقيات اعتمدت الوزارة، بمقرر وزاري، دليلا مسطريا ينظم ويؤطر العمليات الخاصة بإبرام اتفاقيات الشراكة بين الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والجمعيات المكلفة بتدبير أقسام التعليم الأولي المدمجة في المؤسسات التعليمية العمومية والتي يكون موضوعها تقديم دعم لهذه الجمعيات وفق قواعد حكامة جيدة تقوم على المردودية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحددة بأهداف وغايات واضحة المعالم. بحيث يشكل هذا الدليل الإطار العملي لتدبير مسطرة منح الدعم المالي لهذه الجمعيات، وكذا الشروط التي تؤهلها لاستحقاق الدعم والوثائق المكونة لملف طلب الدعم، كما يوضح مسطرة طلب المشاريع والبت فيها بالإضافة إلى آليات صرف وتحويل الدعم المالي للجمعيات.
كما يتضمن هذا الدليل المسطري التزامات الجمعيات بتشغيل المربيات والمربين وفق المقتضيات المنصوص عليها في مدونة الشغل كاحترام الحد الأدنى للأجر والتصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وغيرها من الحقوق المقررة لفائدة الأجراء.
وفيما يخص مساهمة الشركاء المؤسساتيين، يجب التذكير بالمجهود الكبير الذي تقوم به وزارة الداخلية ومجالس الجماعات الترابية وانخراطهم في هذا الورش من خلال مساهمتهم في بناء وتأهيل حجرات للتعليم الأولي والمساهمة في تدبير أقسام التعليم الأولي بالمؤسسات العمومية وغيرها من المساهمات التي لا يسمح الوقت بعرضها. وبصفة خاصة نشيد بالمجهودات المبذولة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والتي تهدف إلى بناء 10000 وحدة للتعليم الأولي وتأهيل 5000 وحدة أخرى بالمناطق القروية الهشة وذات الخصاص مع تغطية نفقات تسيير كل بنية محدثة لمدة سنتين على مدى 5 سنوات.
وبخصوص تمويل البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي، فإن التقديرات الأولوية للكلفة المالية لتحقيقا أهداف هذا البرنامج قد تم حصرها في حوالي 3 مليار درهم سنويا لمدة عشر سنوات بدءا من إنطلاق البرنامج الوطني. ويعتبر هذا المبلغ مجموع الحاجيات المالية الواجب تعبئتها من طرف جميع المتدخلين في هذا الورش الوطني من فاعلين عموميين وقطاع خاص وكذا جمعيات المجتمع المدني والجماعات الترابية وغيرها. وتجدر الإشارة في هذا الصدد، أن الحكومة بذلت مجهودات مالية ابتداء من سنة 2019، بحيث ارتفعت الاعتمادات المالية المخصصة لمجال التعليم الأولي من 1350 مليون درهم برسم سنة 2019 الى 1547.9 مليون برسم 2021 أي بزيادة 15%.
وبالنسبة للتأطير القانوني لهذا المجال، وفي إطار تنفيذ مخطط الوزارة التشريعي والتنظيمي لتنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، تمت إحالة مشروع قانون التعليم المدرسي على الأمانة العامة للحكومة قصد عرضه على مجلس الحكومة وتم من خلاله دمج ثلاث قوانين: قانون رقم 04.00 المتعلق بإلزامية التعليم والقانون رقم 05.00 بمثابة النظام الأساسي للتعليم الأولي والقانون رقم 06.00 بمثابة النظام الأساسي للتعليم المدرسي الخصوصي. كما يتم حاليا إعداد مشاريع النصوص التطبيقية لهذا القانون.
وفي الختام، من الضّروري الإشارة إن هذا الورش الوطني تواجهه تحديات ورهانات كبيرة لأجل إرساء تعليم أولي منصف وذي جودة ومما لا شك فيه أن التوصيات الواردة في تقرير المجموعة الموضوعاتية والتي تتقاطع بشكل كبير مع البرنامج الوطني لتعميم وتطوير التعليم الأولي ستشكل إطارا مكملا من أجل تحسين وتجويد هذه السياسات الموجهة للطفولة الصغرى، كما أننا مؤمنون بقدرتنا على تحقيق رهان تعميم التعليم الأولي والارتقاء بجودته قبل الآجال المحددة لذلك في ظل استمرار ومواصلة انخراط مختلف الفاعلين والشركاء من القطاعات الحكومية المعنية والقطاع الخاص وجمعيات المجتمع المدني مما من شأنه إنجاح هذا الورش الوطني الكبير، خدمة لوطننا الحبيب ولطفولتنا المبكرة تحت القيادة الرشيدة لمولانا صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله وأيده.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

التعليقات مغلقة.