ذكرى ثورة الملك والشعب بعيون باحثين مؤرخين ..

عبد السلام انويكًة

 كثيرة هي ملاحم المغرب الوطنية التي شكلت بأزمنتها وأمكنتها وأبعادها منعطفات حاسمة ومفصلية طبعت زمن البلاد ومسارها ومسيرتها السياسية، كذا كفاح المغاربة من أجل ما هم عليه من استقلال ووحدة واستقرار وذاكرة. ولعل من محطات البلاد الرمزية التاريخية التي ستظل بمكانة خاصة محفوظة لدى اجيال متعاقبة، ملحمة ثورة الملك والشعب التي اندلعت قبل ثمانية وستين سنة زمن الحماية، عندما تجاورت سلطات الاقامة العامة الفرنسية مداها وامتدت أياديها يوم عشرين غشت ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين، الى رمز الأمة وسيادة البلاد ووحدتها المغفور له السلطان محمد بن يوسف، بإقدامها على نفيه وأسرته وإبعاده عن عرشه ووطنه معتقدة أن بجرأتها واجراءها هذا ستوقف كفاح المغاربة من اجل الاستقلال وستفكك ما هناك من ترابط وثيق بين عرش وشعب. فما حصل كان عكس نواياها ودسائسها الاستعمارية وكان بداية نهاية نظام حمايتها، من خلال ما أبان عنه الشعب من صمود عبر تضحيات جسيمة ووقفة قوية في سبيل عزة البلاد وكرامتها وسيادتها ومقوماتها وشرعيتها، كذا عودة رمز الأمة والحرية والاستقلال.

احتفاء بهذا الفصل من فصول تاريخ البلاد الوطني، واحتفاء بثورة الملك والشعب التي كان خطاب طنجة الشهير فتيلها ايذانا بقطع حبل المغرب مع نظام الحماية قطعاً نهائياً عندما قال عنه “ايريك لابون” المقيم العام آنذاك “لقد قضي الأمر في طنجة”، ومن ثمة بداية أزمة مغربية فرنسية تسارعت أحداثها صوب قطيعة طبعها تجاهل سلطات الحماية الفرنسية لحق المغرب في الاستقلال، ما عزم السلطان محمد بن يوسف خوض نضال من أجله لاسترجاع سيادة البلاد كاملة. وعليه، ما أقدمت عليه من مؤامرة تجلت في عزله ونفيه، ذلك النبأ الذي تلقاه الشعب بمظاهرات عارمة ملأت كل جهات البلاد.

احتفاء بذكرى ثورة الملك والشعب وفق ما يليق من فخر واجلال واكبار، لِما لها من رمزية في ذاكرة مغربٍ ومغاربة، وبمناسبة ذكراها الثامنة والستين وابرازاً لدلالات الحدث الوطنية واشاعةً لِما يحتويه الحدث من قيم نبيلة لدى ناشئة البلاد ومن اجل تلاقح وطني بين سلف وخلف. كانت المندوبية الجهوية لقدماء المقاومين واعضاء جيش التحرير بفاس، على موعد احتفائي خاص عبر سلسلة أنشطة اشعاعية ثقافية ذات صلة منذ أواسط غشت الجاري، أنشطة جمعت بين لقاءات تفاعلية وأبواب مفتوحة بفضاء ذاكرة المدينة، كذا زيارات افتراضية مع عرض أشرطة وثائقية بتنسيق وتعاون مع شركاء محليين. فضلا عن ندوة فكرية قاربت موضوع ” ثورة الملك والشعب: تتويج وشائج الملكية والشعب”، جاءت في اطار اتفاقية شراكة مبرمة بين كلية الآداب والعلوم الانسانية سايس فاس والمندوبية السامية لقدماء المقاومين واعضاء جيش التحرير.

ندوة فاس الفكرية هذه، بقدر ما أثثها باحثون مؤرخون بقدر ما تكاملت مداخلاتها وتوزعت على ما هو دلالات ومغازي، تلك التي ناقشها الدكتور سمير بوزويتة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس، من خلال مداخلة بفرشة تاريخية عميقة استحضرت جملة ملاحم خالدة شهدها المغرب في مواجهته لتسرب استعماري منذ القرن التاسع عشر، خاصة بعد احتلال الجزائر سنة ألف وثمانمائة وثلاثين، متوقفا عند احداث معبرة بطبيعة تضامنية مغربية طبعت هذه الفترة من قبيل معركة إيسلي. هذا قبل تناوله لزمن الحماية الفرنسية من خلال وقائع وصور أبانت بجلاء عن تلاحم عرش وشعب دفاعاً عن استقلال البلاد ووحدتها، معرجاً على حدث زيارة السلطان محمد بن يوسف طيب الله ثراه إلى مدينة فاس بداية شهر ماي من سنة ألف وتسعمائة وأربعة وثلاثين، زيارة تاريخية قال عنها أنها أشرت على تناغمٍ وارتباطٍ بين ملك وحركة وطنية. لينتهي في مداخلته بتسليط بعض الضوء  حول حدث نفي السلطان وأسرته الشريفة إلى كورسيكا ثم مدغشقر، كحدث فاصل قال عنه أنه فجر ثورة عارمة قادها الشعب المغربي دفاعا عن ملكه ووطنه، مبرزا بعض مظاهر المقاومة المغربية المسلحة كذا الحركة الفدائية التي قادتها خلايا ومنظمات، مثل منظمة اليد السوداء وخلية عبد الله الشفشاوني بمدينة فاس التي لقنت المستعمر دروسا في التضحية والفداء رغم كل أشكال القمع والتنكيل وأحكام الإعدام التي أصدرتها محاكم الحماية الفرنسية في حق الوطنيين والفدائيين.

ضمن ندوة فاس الفكرية هذه احتفاء بذكرى ثورة الملك والشعب، وفي مداخلة ثانية بعنوان ”حدث 20 غشت 1953 في مسار استقلال المغرب” للدكتور عبد السلام انويكَة أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس- مكناس. وبعد تثمينه لجهود المندوبية السامية لقدماء المقاومين واعضاء جيش التحرير في مجال صيانة ذاكرة البلاد الوطنية، تطرق لجملة محطات شهدها مغرب فترة الحماية متناولا حدث نفي السلطان محمد بن يوسف، بعد أزمة علاقات مغربية فرنسية وقطيعة كذا تعنت إدارة الحماية وضغطها عليه من أجل توقيع ظهائر ومراسيم لا تخدم القضية الوطنية، مستعرضا أوجه مواجهة بين الإقامة العامة من جهة والسلطان ورجال الحركة الوطنية من جهة ثانية، مستنتجا أن ادارة فرنسا الاستعمارية فشلت فشلا ذريعا في ضرب ما جمع بين الملك والشعب من لحمة، الأمر الذي دفعها لنفي سلطان البلاد الشرعي وتنصيب بديل له بتنسيق مع معمرين ومتعاونين من المغاربة، لتنطلق بعد ذلك مقاومة شرسة في كل جهات المغرب وبين مدن وقرى، تلك التي دشنها الشهيد علال بن عبد الله في الحادي عشر شتنبر من سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين، عندما اخترق صفوف موكب ابن عرفة بسيارة صدمته وهو على فرسه، ولما سقط حاول قتله بسكين لولا اطلاق النار عليه من طرف حارسه، مقاومة وعمليات فدائية أحرجت سلطات الحماية الفرنسية التي اضطرت في نهاية المطاف إلى إعلان عودة السلطان من منفاه واستقلال المغرب.

من جهته عن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس ألقى الدكتور رشيد بنعمر أستاذ التعليم العالي، مداخلة عنونها ب”ثورة الملك والشعب ثورة دائمة ومتجددة” قارب فيها البعد التاريخي السوسيوثقافي للحدث، مشيرا إلى أن ما يربط العرش بالشعب من بيعة كانت آصرة تولد عنها تلاحم توج باستقلال المغرب. مؤكدا أن الحركة الوطنية كانت منذ نشأتها على تناغم وتوافق مع السلطان، ليصل إلى حدث عشرين غشت ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين الذي انتهى بالحصول على الاستقلال، مشيرا إلى أن ثورة الملك والشعب لم تنته مع هذا الحدث، إنما ظلت ثورة قائمة دائمة متجددة تجلت في جهود المغفور له محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما لاستكمال وحدة البلاد الترابية، ما تحقق باسترجاع أقاليم طرفاية وسيدي إفني والساقية الحمراء ووادي الذهب، كذا من خلال اوراش تنموية عدة هنا وهناك من جهات البلاد منذ الاستقلال الى اليوم.

وكانت “فاس في مواجهة الحماية الفرنسية: الأمكنة والوقائع” موضوع مداخلة ختامية لندوة فاس الفكرية بمناسبة الذكرى الثامنة والستين لثورة الملك والشعب، استحضر فيها الدكتور جواد الفرخ عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أهم مواقع مدينة فاس التي شهدت أحداث مواجهة بين المغاربة والاستعمار، بدءً بحدث توقيع معاهدة الحماية في ثلاثين مارس ألف وتسعمائة واثنا عشر، كذا صدمة ساكنة فاس التي ترجمت بانطلاق أول مقاومة شعبية مغربية لعلها ”أيام فاس الدامية” خلال ابريل من نفس السنة، وما تلى ذلك من تكوين جيل ممانع متشبع بفكر تحرري نتج عنه تأسيس حركة وطنية فعلية دخلت في مواجهة مفتوحة مع الإقامة العامة الفرنسية، مسجلة ملاحم بطولية في أحداث ظهير السادس عشر ماي ألف وتسعمائة وثلاثين، كذا تأسيس الاحتفال بعيد العرش وتقديم دفتر مطالب الشعب المغربي، فضلاً عن حركات احتجاجية سلمية سنة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين  وألف وتسعمائة وسبعة وثلاثين وفي سنة ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين بمدينة فاس العتيقة. أما إثر نفي السلطان الشرعي محمد بن يوسف سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين- يقول الباحث-، فقد تم نقل المواجهة إلى مدينة فاس الجديدة بعد تكوين خلايا فدائية نفذت عمليات جريئة أذهلت سلطات المدينة رغم كل ما كانت عليه من أشكال ضغط وعنف ورقابة.

هذه هي ملحمة عشرين غشت ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين التي أطلق عليها المغفور السلطان محمد بن يوسف اسم”ثورة الملك والشعب” في ذكراها الثالثة بعد عودته من المنفى، فكان رحمه الله وراء قرار الاحتفاء بالحدث وتخليده سنويا وهو ما لم ينقطع منذ استقلال البلاد الى الآن. وهكذا هي هذه المناسبة الوطنية المجيدة التي تروم التذكير بما خاضه العرش والشعب من نضال من اجل استقلال البلاد، كذا التذكير بما ينبغي من يقضة وتعبئة دفاعاً عن حوزة البلاد من جهة ونهوضا وخدمة لكل مجالاتها من جهة ثانية.

وهكذا هي ذكرى ثورة الملك والشعب التي لا تزال رمزيتها بحاجة لحضن أكثر من أجل أجيالِ حاضرِ ومستقبل، ليس فقط لتعميق صورة هذه الملحمة في اذهان هؤلاء انما أيضا لاطلاعه على صفحات مشرقة من كفاح سلف، وابراز تضحيات وبطولات شهداء ومقاومين فدائيين حتى تتزود الناشئة بمعاني الوطنية الحقة وتتعرف على ما يزخر به تاريخ المغرب من ارث رمزي وحمولة مثل عليا وقيم وفاء وحب وطن. وهكذا أيضاً أحيت واحتفت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير من خلال مندوبيتها الجهوية بفاس، بثورة الملك والشعب في ذكراها الثامنة والستين. مستحضرة قيمة ودلالات الحدث الوطنية، مستهدفة ببرنامجها الاحتفائي تنوير الأجيال حول كيف كان سلف البلاد وكيف ينبغي أن يكون خلفها تجاه وطن وقضايا وطن.

عضو مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث

التعليقات مغلقة.