الجماعات الترابية بين التخطيط والرقابة والمشاركة المواطنة وفق الأسس القانونية

إعداد: عبد الواحد بلقصري

باحث قي مركز الدكتوراه مختبر بيئة.تراب.تنمية بكلية العلوم االنسانية واالجتماعية بجامعة ابن طفيل

يعتبر برنامج عمل الجماعة الوثيقة المرجعية للجماعة لبرمجة المشاريع والأنشطة ذات الأولوية المقرر، أو المزمع إنجازها بتراب الجماعة، بهدف تقديم خدمات القرب للمواطنا ت والمواطنين، يمتد على مدى ست سنوات، حيث يحدد البرامج والمشاريع التنموية المقرر برمجتها أو إنجازها أو المساهمة فيها بتراب الجماعة مع مراعاة ما يلي:

– تحديد برنامج عمل لألولويات التنموية بالجماعة؛
– السعي إلى تحقيق الانسجام والالتقائية مع توجهات برنامج التنمية الجهوية وبرنامج تنمية
العمالة أو الإقليم عند وجودها؛
– اعتماد البعد البيئي لتحقيق التنمية المستدامة؛
– الأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المادية المتوفرة للجماعة أو التي يمكن تعبئتها، وكذا الالتزامات
المتفق في شأنها بين الجماعة والجماعات الترابية الأخرى وهيئاتها والمقاولات العمومية
والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية بالجماعة.

يرتكز برنامج عمل الجماعة على مرجعية قانونية مهمة تتجلى في:
✓ القانون التنظيمي رقم 14.113 المتعلق بالجماعات الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 85.15.1
في 20 من رمضان 1436(07 يوليوز 2015)، والذي ينص في المادة 78 منة على إلزامية إعداد
برنامج عمل الجماعة في السنة الأولى من انتداب المجلس على أبعد تقدير، والذي يجب أن يتضمن تشخيصا لحاجيات وإمكانيات الجماعة وتحديدا لأولوياتها، وتقييما لمواردها ونفقاتها التقديرية الخاصة بالسنوات الثلاث الأولى، وأن يأخذ بعين الاعتبار مقاربة النوع.

✓ المرسوم رقم 301.16.2 الصادر في 23 من رمضان 1437 (29 يونيو 2016) بتحديد مسطرة
إعداد برنامج عمل الجماعة وتتبعه وتحيينه وتقييمه، وآليات الحوار والتشاور لإعداده، الذي حدد
القواعد التي تخضع لها هذه المسطرة من خلال:

– تحديد المراحل الأساسية لإنجاز مشروع برنامج عمل الجماعة والمسطرة المتبعة؛
-تعزيز التشاور وتحقيق الانسجام والتنسيق بين مختلف المتدخلين في ميدان خدمات القرب؛
-التنصيص على المساعدة التقنية الواجب تقديمها من طرف المصالح الخارجية للدولة والجماعات
الترابية الأخرى لإعداد وتنفيذ برنامج عمل الجماعة؛*2 *
– إقرار مسؤولية رئيس المجلس في تتبع وتقييم برنامج عمل الجماعة، مع ضرورة تقديمه لتقرير
سنوي يبين مدى تقدم المشاريع المبرمجة في برنامج العمل؛
– إمكانية تحيين برنامج العمل ابتداء من السنة الثالثة من دخوله حيز التنفيذ وفق نفس المسطرة
المتبعة في إعداده.

برنامج عمل الجماعات في مقتضيات الدستور والقوانين التنظيمية :
إن برنامج عمل الجماعة جاء مؤطرا بمقتضيات عدة نجملها في ما يلي:
* مقتضيات دستور 2011 :
الفصل 139 : تضع مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى آليات تشاركية للحوار والتشاور
لتيسير مساهمة المواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها .

الفصل 140 : تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى في مجالات اختصاصاتها وداخل دائرتها الترابية على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها.
الفصل 141 : تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى على موارد مالية ذاتية، وموارد مالية مرصودة من قبل الدولة .*3

الفصل 143 : كلما تعلق الأمر بإنجاز مشروع يتطلب تعاون عدة جماعات ترابية، هذه الأخيرة تتفق على كيفية تعاونها.
الفصل 144 : يمكن للجماعات الترابية تأسيس مجموعات فيما بينها من أجل التعاضد في الوسائل
والبرامج.
الفصل 145 : يساعد الولاة والعمال رؤساء الجماعات الترابية، وخاصة رؤساء المجالس الجهوية على تنفيذ المخططات والبرامج.

برنامج عمل الجماعات في القانون التنظيمي 14.113
المادة 78 : تضع الجماعة تحت إشراف رئيس مجلسها برنامج عمل الجماعة، وتعمل على تتبعه
وتحيينه وتقييمه.

يحدد هذا البرنامج الأعمال التنموية المقرر إنجازها، أو المساهمة فيها، بتراب الجماعة خلال مدة ست سنوات.

يتم إعداد برنامج عمل الجماعة في السنة الأولى من مدة انتداب المجلس على أبعد تقدير بانسجام مع توجهات برنامج التنمية الجهوية، وفق منهج تشاركي، وبتنسيق مع عامل العمالة
أو الإقليم، أو من ينوب عنه.

يجب أن يتضمن برنامج عمل الجماعة تشخيصا لحاجيات وإمكانيات الجماعة، وتحديدا أولوياتها وتقييما لمواردها ونفقاتها التقديرية الخاصة بالسنوات الثالث الأولى، وأن يأخذ بعين الاعتبار مقاربة النوع .*4 *

المادة 79 : تعمل الجماعة على تنفيذ برنامج عملها وفق البرمجة المتعددة السنوات المنصوص عليها في المادة 183 من هذا القانون التنظيمي.
المادة 80 : يمكن تحيين برنامج عمل الجماعة ابتداء من السنة الثالثة من دخوله حيز التنفيذ.
المادة 82 : بغية إعداد برنامج عمل الجماعة تمد الإدارة والجماعات الترابية الأخرى والمؤسسات
والمقاولات العمومية الجماعة بالوثائق المتوفرة المتعلقة بمشاريع التجهيز المراد انجازها بتراب
الجماعة، والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج العمل وتتبعها طبق الكيفيات المحددة في النظام الداخلي للجماعة

مراحل إ عداد برنامج عمل الجماعات:

1ــ مرحلة الإعداد و االنطالقة:
تعتبر مرحلة التهييء لبرنامج عمل الجماعة ذات أهمية قصوى، نظرا لدورها في تعبئة مختلف
الفاعلين المحليين و الموارد البشرية اللازمة، و توعيتهم بأهمية البرنامج، و تحديد الإطار الملائم الذي يسير من خلاله المسار التشاركي، و تحديد المتدخلين، و الأدوار التي سيقومون بها، بالإضافة إلى تعبئة الموارد المادية و المالية الضرورية، و تنظيم العمل من أجل إنجازها، كما نصت عليه المادة 78* . 5 *

و ترمي هذه المرحلة إلى إقناع أصحاب القرار المحلي والفاعلين الجماعيين، بتبني برنامج عمل
الجماعة وفق منهجية التخطيط التشاركي و الاستراتيجي، مع ضمان دعم السلطات المكلفة بالمواكبة المالية لمسلسل البرنامج، و خاصة من الفريق الإقليمي، و ممثلي الخلية المركزية من خلال تنظيم لقاءات تأطيرية و توجيهية للمجالس الجماعية، كما نصت على ذلك المادة 82 من ق ت 14.113.

بغية إعداد برنامج عمل الجماعة، تمد الإدارة الجماعات الترابية الأخرى و المؤسسات و المقاولات
العمومية الجماعة بالوثائق المتوفرة المتعلقة بمشاريع التجهيز المراد إنجازها بتراب الجماعة.

2ــ مرحلة التشخيص و جمع المعطيات:
و تتضمن هذه المرحلة نشاطين أساسيين
أ ـ تشخيص الحالة الراهنة: أو ما يصطلح عليها بالمونوغرافيا، و هو النشاط الذي تم إسناده
في أغلب الجماعات إلى وكلاء التنمية الاجتماعية من طرف المديرية العامة للجماعات المحلية، وهو الذي يهدف إلى جمع المعطيات الكمية و الكيفية المرتبطة بمختلف مجالات التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية بالجماعة، و تشخيص المشاكل المهمة و حاجيات السكان وقدراتهم، والقيام بتحليل أولي للمعلومات والمعطيات وإدخالها في بنك المعلومات الجماعي.

ب ـ التشخيص التشاركي: يهدف هذا النشاط إلى إشراك الساكنة والفاعلين المحليين على
أساس نتائج المرحلة الراهنة في تشخيص مختلف المشاكل والتعرف على مواطن القوة والضعف وتحديد الآفاق المحتملة للتنمية، و الأولويات المعبر عنها من طرف السكان، و تقسيم الجماعة إلى
مجموعات ومناطق ترابية، تطبيقا للمادة 121 من ق ت 14.113″.

طبقا لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 139 من الدستور، يمكن للمواطنات و المواطنين و الجمعيات أن يقدموا، وفق الشروط المحددة، بعده عرائض يكون الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في صلاحياته ضمن جدول أعماله “

و يتطلب التشخيص التشاركي تكوينا أوليا للأشخاص المسيرين له، وتواجد منشطين من ذوي كفاءة عالية، مما يحتم الاستعانة بالخبرة الخارجية في ظرف زمني لا يتجاوز الشهرين.

إن النتيجة التي يمكن الوصول إليهت، هي تحديد التحديات الكبرى للتنمية بالجماعة وضبط الأولويات وإبراز المؤهلات، و نقط الضعف و القوة و الفرص و المخاطر، مع ترتيبها حسب الميادين الكبرى، الاجتماعية و الاقتصادية و البيئية…، و اقتراح سبل للتنمية، مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الترابي و مقاربة النوع.*6 *.

 

3ــ مرحلة تقديم نتائج التشخيص للفاعلين و المصادقة على برنامج عمل الجماعة:

و يتم إعداد تقارير التتبع من طرف الفريق الجماعي المكلف و تقديمها لرئيس المجلس الجماعي كل ثلاثة أشهر، أو مرتين في السنة، و يتم إرسالها إلى اللجنة التقنية الإقليمية، و المديرية العامة للجماعات المحلية.

7ــ مرحلة التقييم و االفتحاص و تقديم حصيلة التدبير:
هذه المرحلة أساسية لتقييم نتائج البرامج التنموية التي سطرها المجلس في برنامج العمل، ومدى ملاءمتها لحاجيات السكان و إشباع حاجاتهم الضرورية، و هذا ما نصت عليه المادة 272، يجب على الجماعة، تحت إشراف رئيس مجلسها، اعتماد التقييم لأدائها، و المراقبة الداخلية و الافتحاص، و تقديم حصيلة تدبيرها؛ تقوم الجماعة بدراسة تقارير التقييم والافتحاص والمراقبة وتنشر هذه التقارير*8 بجميع الوسائل الملائمة، و تطبيقا للمادة 274 يمكن للعامل بمبادرة منه إخضاع تدابير الجماعة والهيئات التابعة لها، أو التي تساهم فيها لعمليات التدقيق المالي، في حالة وجود اختلالات، يحيل العامل، أو من ينوب عنه، التقرير إلى المحكمة المختصة، أما في المادة 276 … ” تقوم الدولة بما يلي:

ـ تحديد الآليات لتمكين المنتخبين من دعم قدراتهم التدبيرية.

ـ وضع أدوات تسمح للجماعة بتبني أنظمة التدبير العصري و لا سيما مؤشرات التتبع والإنجاز والأداء وأنظمة المعلومات.

ـ وضع آليات للتقييم الداخلي و الخارجي المنتظم.

ـ تمكين مجلس الجماعة من المعلومات والوثائق الضرورية للقيام بممارسة صالحياته “.

*8 * نختم في الأخير أن القانون التنظيمي أعطى مكانة متميزة للجماعات الترابية في إطارالتدبير الحر الذي اعطاها سلطة التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ مقراراتها ومداولاتها مع صلاحيات التعاون فيما بينها، وفي مجمل القول فإن الجماعات الترابية لم يعد لها وجود قانوني ومؤسساتي فخسب، بل أصبحت كيانا ترابيا له وجود مادي بفعل التطورات المتلاحقة التي عرفها المغرب ،حيث أصبحت تلعب ادوارا تنموية، كل هذا حتم عليها الاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي والتنموي وفقا لقواعد علمية تنبني على الرؤية الاستراتيجية، والتشخيص التشاركي، وتعبئة الموارد والتقييم والتتبع وترتيب الأولويات، غاية منها لعب دور مركزي ومحوري في صناعة الفعل التنموي المحلي.

لائحة المراجع والهوامش :
1 -انظر ذعبد الحفيظ ادمينو -الشريف الغيوبي -التنظيم الإداري ط 22006
2 -انظر مليكة الصروخ “القانون الإداري “ص2017-2018
3 -انظر المجلة المغربية للإدارة المحلية ص224العدد 28
4 -انظر” برنامج عمل الجماعة:السياق والأبعاد “من إعداد نور الدين عيار فضاء موظفي
الجماعات الترابية.
5 -نفسه
6 -نفسه
7 -نفسه
8 -نفسه

التعليقات مغلقة.