ألقت الشرطة الوطنية الإسبانية القبض على 30 شخصاً بتهمة التخلي عن أطفالهم عمداً لاستغلال نظام حماية القاصرين وتحويلهم إلى ما يُعرف بـ “منفذي الاحتيال” بهدف تحقيق مكاسب مالية وضمان الإقامة القانونية.
في عملية أمنية واسعة النطاق، تم اعتقال 30 شخصاً من جنسيات مغربية وجزائرية، وإعادة 22 قاصراً إلى أسرهم الحقيقية بعد اكتشاف تورطهم في شبكة احتيال منظمة استهدفت نظام حماية القاصرين في إسبانيا. وقد كشفت التحقيقات التي بدأت في نوفمبر 2023، أن هذه الشبكة تكبدت خزينة الدولة خسائر فاقت 1.58 مليون يورو من أموال الضمان الاجتماعي الإسباني .
كانت آلية الاحتيال تعتمد على استغلال ثغرات نظام حماية القاصرين من خلال الدخول بتأشيرات سياحية كان أفراد الشبكة يدخلون إلى إسبانيا بتأشيرات سياحية من نوع “C” التي تمنح لفترات قصيرة، ويصطحبون معهم أطفالهم .
التخلي المدبر عن الأطفال بعد دخول الأراضي الإسبانية، كان الآباء يتخلون عن أطفالهم بالقرب من مراكز الشرطة أو مؤسسات الرعاية الاجتماعية، بعد تلقينهم تعليمات بالإدعاء أنهم قاصرون غير مصحوبين بذويهم .
بمجرد إعلان القاصرين عن أنفسهم في حالة “انقطاع” أو “انفصال” عن ذويهم، كان نظام حماية القاصرين يُفعَّل تلقائياً، لتبدأ الدولة في تحمل كافة نفقات إعالتههم .
كشفت التحقيقات عن وجود 124 ملفاً مشبوهاً في مراكز الحماية بمقاطعة تاراغونا وحدها، تم تحليل 109 منها، وأسفرت عن إعداد 28 تقريراً قضائياً. وتبين للباحثين وجود نمطين أساسيين من العائلات المتورطة في هذه العمليات :
عائلات ميسورة الحال: تتمتع بقدرة مالية متوسطة إلى عالية، وتمتلك تأشيرات شنغن متعددة الدخول، وتعود إلى بلادها بعد التخلي عن الأطفال مع زيارة دورية لهم .
عائلات محدودة الدخل: تبقى في إسبانيا وتحافظ على اتصال هاتفي مستمر مع أطفالها، وتُعلِّمهم كيفية الاستفادة القصوى من نظام الحماية .
يتراوح التكلفة اليومية لإيواء كل قاصر في مراكز الحماية بين 31 و140 يورو، تتحملها الدولة بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، يحصل القاصرون على السكن المجاني في مراكز متخصصة والرعاية الصحية الشاملة، مع الالتحاق بالتعليم المجاني بالإظافة إلى وضع مخصصات مالية في بعض الحالات
ليست مقاطعة تاراغونا وحدها المتأثرة بهذه الظاهرة، ففي إقليم الباسك، داهمت الشرطة مركزاً لرعاية القاصرين في سان سيباستيان، وألقت القبض على أب جزائري (54 عاماً) كان قد وصل إلى إسبانيا في مايو المصحوباً بابنه، ثم تركه في مركز الرعاية بعد أن زوده بتعليمات محددة .
وفي جزر البليار، سجلت السلطات حالات مشابهة، حيث تم التخلي عن قاصرين في محطات الحافلات قبل أن يعود ذووهم إلى بلدانهم الأصلية .
يكشف التحقيق أن الهدف من هذه العمليات لا يقتصر على الاستفادة من المزايا المادية الفورية، بل يتعداها إلى ضمان الإقامة القانونية في إسبانيا للقاصرين وتمهيد الطريق لطلب لم الشمل العائلي بمجرد بلوغ القاصرين سن الرشد والحصول على تصاريح إقامة دائمة للعائلة بأكملها لاحقاً.
في مواجهة هذا الاستغلال، تعمل النيابة العامة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية على مراجعة آليات التصدي لهذه الممارسات، مع الحفاظ على حماية القاصرين المستحقين فعلاً لهذه الرعاية . كما تعمل السلطات على تعزيز التعاون الدولي، خاصة مع المغرب والجزائر، للتحقق من الوضع الحقيقي للقاصرين وعائلاتهم .
من جهتها، أكدت النائبة “مونيكا مارتينيز” مسؤولة الشؤون الاجتماعية في حكومة كتالونيا، أن القاصرين الذين تم اكتشاف تورطهم في هذه الشبكة “عادوا بالفعل إلى عائلاتهم بعد التأكد من قدرة الأسر على رعايتهم”، معتبرة أن “كشف هذا الاحتيال يثبت أن نظام حماية الطفولة يعمل بكفاءة” .
تكشف هذه الفضحية عن إشكالية مؤسساتية عميقة، حيث يصعب على الجهات المعنية تحقيق التوازن بين الحاجة إلى حماية القاصرين الحقيقيين الذين يعانون من ظروف صعبة
ضرورة منع استغلال النظام من قبل من لا يستحقونه وتجنب إجراءات صارمة قد تحرم مستفيدين حقيقيين من حقوقهم
يذكر أن إسبانيا سجلت في عام 2024 وجود 16,041 قاصراً أجنبياً غير مصحوب بذويهم تحت رعاية مؤسسات الحماية الاجتماعية، بزيادة 24.5% عن العام السابق، مما يزيد من أهمية معالجة هذه الثغرات بشكل عاجل .

التعليقات مغلقة.