تمكنت المملكة المغربية من تحقيق إنجاز دبلوماسي جديد بفوزها بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية للفترة 2026-2028، وذلك خلال أشغال الدورة الرابعة والثلاثين لجمعية المنظمة المنعقدة في لندن، حيث حصلت على 130 صوتاً، مكنتها من نيل أحد المقاعد العشرين المخصصة للفئة (ج) داخل المجلس.
تفاصيل الإنجاز الدولي
جاء إعلان هذا الفوز عبر عبد الصمد قيوح على صفحته الرسمية على “فيسبوك”، حيث أكد أن هذا الإنجاز يمثل ثمرة تعاون وثيق بين وزارة النقل واللوجستيك والجهاز الدبلوماسي للمملكة، بتنسيق مع مختلف القطاعات الحكومية والوفد المغربي المشارك في أعمال الدورة. وتشكل هذه النتيجة تعبيراً صريحاً عن قوة الحضور البحري المغربي ودينامية عمله داخل مؤسسات المنظمة الدولية المتخصصة.
تجسيد لرؤية ملكية متطورة
يعكس إعادة انتخاب المغرب المصداقية التي تحظى بها الاستراتيجية البحرية الوطنية التي يجري تنزيلها تنفيذاً للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ48 للمسيرة الخضراء. وقد دعا الملك في خطابه إلى تأهيل شامل للواجهة الأطلسية وجعلها فضاء للتواصل الإنساني، وقطباً للتكامل الاقتصادي، ومركزاً للإشعاع الدولي، وهو ما يتحقق على أرض الواقع عبر هذه الإنجازات الدولية المتتالية.
يعد المغرب “دولة بحرية بامتياز” بفضل موقعه الجيو-استراتيجي الفريد وتقاليده البحرية العربية العريقة، وإمكاناته الكبرى الممتدة على طول 3500 كلم من السواحل المتوسطية والأطلسية. هذه المقومات الطبيعية جعلت المملكة شريكاً أساسياً في تحقيق أهداف المنظمة البحرية الدولية، وفق الرؤية المتقدمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.
في كلمة له خلال أشغال الدورة، أوضح عبد الصمد قيوح أن النقل البحري يمثل محوراً إستراتيجياً في الاقتصاد المغربي، حيث تمثل التجارة البحرية أكثر من 96% من المبادلات الخارجية للمملكة. وأكد أن هذا الدور الاستراتيجي يدخل في إطار الرؤية الملكية التي تؤكد على تعزيز البعد الأطلسي للمملكة من خلال جعل الساحل الأطلسي بوابة نحو القارة الإفريقية، وواجهة انفتاح على الفضاء الأمريكي.
كما أشار قيوح إلى أن هذه الرؤية تتضمن “تطوير الربط البحري، وتقوية الموانئ والبنيات اللوجيستيكية، والعمل على دراسة إحداث أسطول وطني تجاري تنافسي وفعّال” قادر على مواكبة دينامية التجارة الدولية.
يبرز الدور المحوري للمغرب كدولة ساحل من خلال مركز مراقبة حركة المرور البحري (VTS) بمدينة طنجة، الذي يتولى تنظيم حركة الملاحة البحرية في منطقة شديدة الحساسية، هي مضيق جبل طارق، الذي تعبره أكثر من 100.000 سفينة سنوياً، ما يجعله لاعباً أساسياً في ضمان سلامة الملاحة وتدبير المخاطر البيئية.
كما أن المغرب يواصل تعزيز منظومة البحث والإنقاذ البحري من خلال المركز الوطني لتنسيق الإنقاذ البحري (MRCC)، الذي يشرف على منطقة ممتدة من السواحل المغربية إلى غينيا بيساو، ويعمل على ضمان استجابة فعالة لأي طارئ بحري، حفاظاً على الأرواح البشرية في عرض البحر.
يلتزم المغرب بمسؤولياته كـ”دولة علم”، عبر الحرص على ضمان مطابقة سفنه للمعايير الوطنية والدولية في السلامة والأمن البحريين وحماية البيئة البحرية. كما يضطلع بدوره كـ”دولة ميناء” من خلال مشاركته النشطة في مذكرة التفاهم لدول البحر الأبيض المتوسط، وإجراء عمليات التفتيش المنتظمة للسفن الأجنبية.
وفي مجال الاستدامة والطاقات النظيفة، يقدّم المغرب عرضاً “نموذجياً متكاملاً لإنتاج الوقود البحري منخفض الكربون، اعتماداً على مؤهلاته الرائدة في الطاقات المتجددة وبنيته المينائية المتطورة”، بهدف تمكين إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، خاصة الميثانول والأمونياك الخضراء، لتزويد القطاع البحري العالمي ببدائل نظيفة ومستدامة.
في إطار التعاون جنوب-جنوب، يخصص المغرب مقاعد سنوية بالمعهد العالي للدراسات البحرية لفائدة طلبة من البلدان الإفريقية الشقيقة، دعماً للقدرات وكسب الخبرة وتطوير الإمكانات البشرية للبلدان الصديقة في القارة، مما يعكس التزام المملكة بدعم التكامل الإقليمي وبناء الكفاءات البحرية في إفريقيا.
يمثل هذا الإنجاز الدولي الجديد للمملكة المغربية تتويجاً لجهود دبلوماسية بحرية مكثفة، وتكريساً للرؤية الاستراتيجية الشاملة التي تقود تطوير القطاع البحري الوطني، مما يعزز مكانة المغرب كفاعل رئيسي في الحوكمة البحرية الدولية وكنموذج للدولة البحرية العصرية التي تجمع بين الأصالة والابتكار والانفتاح على شراكات دولية مثمرة.

التعليقات مغلقة.