أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

“الإعلام المغربي بين فتات الدعم وغياب المحاسبة… المستقبل على المحك”

بقلم الأستاذ عسالي أحمد

بقلم الأستاذ عسالي أحمد

تشهد الساحة الإعلامية المغربية أزمة عميقة تعكس هشاشة منظومة دعم المقاولات الصحفية والإعلامية. فبعد سنوات من الوعود المتكررة، لا تزال معظم المقاولات الإعلامية القانونية، التي تضم صحفيات وصحفيين، مراسلين، مصورين، وتقنيين، محرومة من الدعم المالي اللازم لممارسة مهنتها بكرامة واستقلالية. الدعم المقدم، في أحسن الأحوال، يظل فتاتًا لا يوازي التزامات الدولة ولا طموحات الإعلاميين، ويثير التساؤل حول جدية المسؤولين المعنيين في حماية الحق الإعلامي للمواطن المغربي.

لقد تحول هذا الحرمان المالي إلى أزمة هيكلية تهدد وجود الإعلام المستقل كمؤسسة ثقافية واجتماعية، وتجعل الصحفيين في مواجهة مباشرة مع تحديات المهنة، دون أن يتمكنوا من أداء دورهم الأساسي في نقل المعلومة، مراقبة الفعل العمومي، ودعم ثقافة المواطنين. الأدهى أن غياب الشفافية في توزيع الدعم يفتح المجال أمام صفقات مشبوهة وممارسات غير قانونية، يستفيد منها البعض ممن لهم مصالح مباشرة أو غير مباشرة في المقاولات الإعلامية، بينما تبقى الكتلة الأكبر من الإعلاميين محرومة ومهمشة.

في ظل هذه الظروف، يصبح السؤال مشروعًا: هل التزم المسؤولون بحق المواطن المغربي في الإعلام، وحقه في الوصول إلى المعلومة؟ هل سعى الوزير المعني، الذي كثيرا ما تحدث عن الثقافة وحقوق الشباب في الإنترنت، إلى تنفيذ هذه الالتزامات على أرض الواقع، أم اقتصرت شعاراته على لغة الخطاب السياسي فقط؟ الواقع يشير إلى تمييز صارخ وحرمان ممنهج لمقاولات إعلامية استحق دعم الدولة، ما يشكل خرقًا للقانون وتهديدًا لحرية الإعلام واستقلاليته.

الأمر يتجاوز الجانب المالي ليطال البنية المهنية والإبداعية للإعلام المغربي، إذ أن استمرار هذا الوضع يعرقل التحول نحو صناعة إعلامية مغربية حقيقية، قادرة على مواجهة تحديات العصر الرقمي، والتفوق في ميدان الإعلام الإلكتروني، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي الإعلامي. ويظل الصحفيون والمراسلون والمصورون على خط المواجهة، محرومين من حقوقهم المادية والاجتماعية، بينما تتفشى محاولات الاحتكار والتسلط على الموارد المالية المتاحة.

إن زمن التذرع بالمزانية أو التماطل في توزيع الدعم قد ولى. المواطن المغربي والصحافة الوطنية بحاجة إلى محاسبة المسؤولين، وضمان العدالة في منح الدعم المالي للمقاولات الإعلامية القانونية، بعيدًا عن المحسوبية والمصالح الضيقة. فالصحافة ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل هي ركائز المعرفة، والوعي المجتمعي، والثقافة، والرقابة على السلطة. وبدون ضمان استقلاليتها وتمكينها من الموارد الضرورية، يبقى مستقبل الإعلام المغربي على المحك، والمجتمع بأسره محرومًا من حقه في المعلومة.

لقد حان الوقت لاستعادة الثقة، ومساءلة كل من يتحمل مسؤولية حرمان الإعلاميين، لضمان إعلام مستقل، مهني، وفاعل يخدم مصالح المجتمع المغربي ويواكب تطورات العصر الرقمي، بما يعكس قيم الحرية، العدالة، والاستقلالية التي يطمح إليها كل مواطن.

التعليقات مغلقة.