أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حكومة المنصوري . تغيير أم إعادة تدوير للوجوه؟

المصطفى الوادي

أعادت تشكيلة الحكومة المغربية الجديدة إلى الواجهة نقاشا سياسيا بشأن حدود التغيير الذي أفرزته الانتخابات التشريعية، في ظل استمرار عدد مهم من أعضاء الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس نتائج الاستحقاقات الانتخابية على طبيعة التدبير الحكومي وأولويات المرحلة المقبلة.

وتضم الحكومة الجديدة 32 عضوا، من بينهم رئيسة الحكومة و13 وزيرا آخر، سبق لهم تحمل المسؤولية داخل حكومة أخنوش، إلى جانب وزيرين سابقين عادا إلى الجهاز التنفيذي، وفق المعطيات الواردة في النص. ويعيد هذا المعطى طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت التشكيلة الجديدة تمثل تغييرا فعليا في السياسات والبرامج، أم أنها استمرار للتجربة السابقة مع إعادة توزيع بعض الحقائب والمسؤوليات.

ولا يتعلق النقاش بالضرورة بضرورة تغيير جميع الوجوه الحكومية، بقدر ما يرتبط بمدى اعتماد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقييم الحصيلة السابقة على أساس النتائج المحققة، ومدى قدرة المسؤولين الذين استمروا في مناصبهم أو عادوا إليها على تقديم أجوبة ملموسة عن انتظارات المواطنين.

32 عضوا.. ضرورة تدبيرية أم توازنات حزبية؟

ويطرح حجم الحكومة الجديدة بدوره تساؤلات بشأن مدى تناسب عدد أعضائها مع الحاجيات الفعلية للتدبير العمومي، خصوصا في مرحلة تتطلب ترشيد النفقات وتحسين مردودية المؤسسات وتوجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمواطنين.

فكبر حجم الجهاز التنفيذي يفرض تحديات إضافية على مستوى التنسيق بين القطاعات، وتحديد الاختصاصات، وتفادي تداخل المسؤوليات، فضلا عن ضرورة إخضاع نفقات التسيير لمعايير النجاعة وحسن استعمال المال العام.

ولا يرتبط تقييم الحكومة بعدد أعضائها فقط، بل بمدى وضوح المهام المسندة إليهم، وقدرتهم على تنفيذ البرامج المعلنة وتحقيق نتائج قابلة للقياس، بما يجعل كل حقيبة وزارية أداة فعلية لخدمة السياسات العمومية.

الاستمرارية في المناصب الحساسة تطرح سؤال المحاسبة

ومن بين النقاط التي تستدعي النقاش استمرار عدد من المسؤولين في قطاعات حساسة، من بينها الداخلية والخارجية والأوقاف، وهي استمرارية قد تبررها اعتبارات الاستقرار المؤسساتي وتراكم الخبرة، لكنها تظل مرتبطة بضرورة التقييم والمحاسبة.

فاستمرار المسؤول في منصبه لا ينبغي أن يعفيه من تقديم حصيلة واضحة عن أدائه، كما أن عودة مسؤولين سابقين إلى الجهاز التنفيذي تفتح المجال أمام التساؤل بشأن المعايير المعتمدة في الاختيار، خصوصا عندما ترتبط مسؤولياتهم الجديدة بملفات ظلت مطروحة خلال تجاربهم السابقة.

ويبرز هنا إشكال أعمق يتعلق بمدى ترسخ ثقافة سياسية تجعل الإنجاز معيارا للاستمرار في المسؤولية، وتربط تقلد المناصب الحكومية بالقدرة على معالجة الاختلالات والاستجابة للأولويات الوطنية.

اختصاصات جديدة واختبار تحويل الأولويات إلى نتائج

وفي المقابل، حملت الهندسة الحكومية الجديدة تعديلات في توزيع بعض الاختصاصات، من خلال إدراج ملفات من قبيل النجاعة العمومية والسيادة الغذائية والحوار الاجتماعي والمساواة ومحاربة الهدر المدرسي ضمن القطاعات المعنية بها.

وتكتسي هذه الملفات أهمية خاصة بالنظر إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب. فالنجاعة العمومية تستدعي تحسين مردودية الإنفاق وتقييم البرامج الحكومية وربط الموارد المالية بالنتائج، فيما تفرض تحديات السيادة الغذائية تعزيز قدرة البلاد على مواجهة التقلبات المناخية واضطرابات الأسواق الدولية والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية.

كما يظل الحوار الاجتماعي مدخلا أساسيا لمعالجة الملفات العالقة بين الحكومة والنقابات وأرباب العمل، وتحسين ظروف الشغل والقدرة الشرائية، وتعزيز الثقة بين مختلف الأطراف.

وفي قطاع التعليم، لا يمكن مواجهة الهدر المدرسي بإجراءات إدارية فقط، بل يتطلب الأمر معالجة أسبابه الاجتماعية والاقتصادية، وتحسين ظروف التمدرس، وتقليص الفوارق المجالية. أما المساواة، فتقتضي ترجمتها إلى سياسات عملية تضمن تكافؤ الفرص في الشغل والتمثيلية في مواقع القرار والحماية الاجتماعية.

ويبقى التحدي الأساسي هو قدرة الحكومة على تحويل هذه الاختصاصات إلى برامج منسجمة ونتائج ملموسة، بعيدا عن تشتت المسؤوليات أو الاكتفاء بتغيير التسميات وتوزيع المهام داخل القطاعات الحكومية.

غياب قطاعات مستقلة يفتح النقاش حول الأولويات

وتثير الهندسة الحكومية الجديدة، في المقابل، تساؤلات بشأن موقع بعض الملفات التي لم تحظ بقطاعات وزارية مستقلة، وفي مقدمتها الاتصال، بالنظر إلى أهمية الإعلام والتواصل العمومي في مواكبة السياسات الحكومية وتعزيز الحق في المعلومة.

كما يطرح غياب وزارة مستقلة مخصصة للحريات وحقوق الإنسان تساؤلات بشأن موقع هذه القضايا ضمن البرنامج الحكومي، ومدى حضورها في السياسات العمومية المرتقبة.

ويبرز ملف التنمية القروية بدوره ضمن القضايا التي تستدعي الاهتمام، في ظل استمرار التفاوتات بين المجالين الحضري والقروي في الولوج إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية وفرص الشغل.

ولا يعني غياب قطاع وزاري مستقل بالضرورة غياب هذه الملفات عن العمل الحكومي، غير أن الرهان يظل مرتبطا بمدى وضوح الجهة المكلفة بها، وحجم الأولوية التي ستمنح لها، والآليات المعتمدة لتقييم نتائج التدخلات الحكومية بشأنها.

لماذا أجرينا الانتخابات؟

إن استمرار عدد مهم من أعضاء الحكومة السابقة داخل التشكيلة الجديدة يجعل مسألة المحاسبة أكثر إلحاحا، ويضع رئيسة الحكومة وأعضاء فريقها التنفيذي أمام اختبار تقديم حصيلة مختلفة، خصوصا في ملفات التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والتنمية القروية وتدبير المال العام.

فالمواطنون لا ينتظرون بالضرورة اختفاء جميع الوجوه السابقة، بقدر ما ينتظرون تغييرا ملموسا في السياسات والبرامج وطرق التدبير، وأن تتحول الانتخابات إلى مناسبة لتقييم الأداء وتصحيح الاختلالات وفتح المجال أمام مقاربات أكثر فعالية.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال المطروح لا يقتصر على عدد الوزراء الذين استمروا في مناصبهم، بل يمتد إلى طبيعة الالتزامات التي ستقطعها الحكومة الجديدة، والمعايير التي ستعتمدها لقياس أدائها، ومدى استعدادها لتحمل المسؤولية السياسية عن نتائج عملها.

وبين الاستمرارية والتغيير، يبقى الرهان الحقيقي أمام الحكومة الجديدة هو الانتقال من إعادة توزيع المسؤوليات إلى تحقيق نتائج ملموسة، ومن الوعود إلى الإنجاز، ومن تدبير التوازنات السياسية إلى الاستجابة الفعلية لانتظارات المواطنين. فنجاح أي تجربة حكومية لا يقاس بجدة تشكيلتها فقط، وإنما بما تحققه من أثر مباشر في حياة المغاربة.

التعليقات مغلقة.