السفير اليمني بالمغرب يستعرض مستجدات الأزمة اليمنية وتصعيد “مليشيات الحوثي” ويؤكد أولوية استعادة الاستقرار
سمية مفكر
أصوات من الرباط
بمناسبة الذكرى السنوية لثورة 14 أكتوبر، نظم سفير الجمهورية اليمنية لدى المملكة المغربية، السيد «عزالدين سعيد الأصبحي»، ندوة صحفية بالرباط، استعرض خلالها آخر تطورات الأزمة اليمنية وتداعياتها الإنسانية والسياسية والإقليمية، مجددًا التأكيد على عمق العلاقات المغربية اليمنية وثبات المواقف المشتركة بشأن وحدة اليمن واستقراره.

لم تكن الندوة الصحفية التي احتضنها مقر السفارة، يوم 14 أكتوبر، مجرد محطة لاستحضار ذكرى وطنية يمنية مرتبطة بالتحرر من الاستعمار البريطاني، بل شكلت مناسبة لتقديم قراءة رسمية في تعقيدات المشهد اليمني، واستعراض انعكاسات التصعيد الراهن على أمن المنطقة واستقرارها، إلى جانب تسليط الضوء على آفاق التعاون بين المغرب واليمن في ظل التحديات القائمة.

وخلال مداخلته، وضع السفير اليمني، السيد «عزالدين الأصبحي»، التطورات الأخيرة في سياق أزمة ممتدة، اعتبر أن جذورها ترتبط بتراجع مؤسسات الدولة وتصاعد المواجهة السياسية والعسكرية منذ سنوات، ولا سيما منذ عام 2014، حين دخلت البلاد مرحلة جديدة من الاضطراب عقب سيطرة جماعة الحوثيين على مؤسسات الدولة وإعلانها ترتيبات دستورية أحادية، وفق توصيفه.
الأزمة اليمنية.. من الصراع الداخلي إلى تداعيات إقليمية
وفي تشخيصه للمشهد اليمني، شدد السفير على أن الأزمة لا يمكن اختزالها في التطورات العسكرية الآنية، بل ترتبط بمسار طويل من الصراع الذي أضعف مؤسسات الدولة وألقى بظلاله على النسيج الاجتماعي اليمني، معتبرًا أن استمرار المواجهة يفاقم الانقسامات السياسية والمناطقية والمذهبية، ويقوض فرص استعادة الاستقرار.

كما توقف عند تداعيات التحركات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، محذرًا من أن اتساع رقعة التصعيد يهدد بتجاوز الحدود اليمنية، ويطرح تحديات إضافية أمام أمن المنطقة والمصالح الدولية. واعتبر أن الضربات التي تستهدف أعيانًا مدنية في المملكة العربية السعودية تعكس خطورة انتقال الأزمة إلى مستويات إقليمية أكثر تعقيدًا.

وفي هذا السياق، قدم السيد «عزالدين سعيد الأصبحي» قراءة تعكس موقف الحكومة اليمنية من دور جماعة الحوثيين وعلاقاتها بإيران، محملًا إياها مسؤولية جانب أساسي من التصعيد. وتندرج هذه المواقف ضمن السجال السياسي والعسكري المستمر بشأن مستقبل السلطة في اليمن، وحدود التدخلات الإقليمية في مسار الأزمة.
الكلفة الإنسانية.. جرح يمني يتسع
ولم تغب الأبعاد الإنسانية عن مداخلة السفير، الذي سلط الضوء على ما وصفه بالتدهور المتواصل للأوضاع المعيشية والصحية، في ظل استمرار المواجهات والنزوح وتعطل الخدمات الأساسية.
وأشار إلى تزايد أعداد المتضررين والنازحين، وإلى معاناة السكان في عدد من المناطق، مع تخصيص حيز من حديثه للأوضاع في مدينة تعز، التي قال إنها تواجه ظروفًا إنسانية بالغة الصعوبة نتيجة استمرار الحصار وتداعيات العمليات العسكرية.
كما أثار السيد الأصبحي مسألة تضرر المنشآت الصحية وانقطاع المياه والكهرباء، محذرًا من أن استمرار استهداف المرافق المدنية، إلى جانب انتشار الألغام في القرى ومداخل المدن، يضاعف معاناة المدنيين ويهدد فرص التعافي وإعادة الإعمار على المدى البعيد.
واعتبر السفير اليمني أن أخطر ما يترتب على استمرار الصراع لا يقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل يمتد إلى تمزيق الروابط الاجتماعية وإضعاف فرص بناء دولة مستقرة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تغليب الحلول السياسية وحماية المدنيين.
المغرب واليمن.. علاقات راسخة ومواقف متبادلة
وفي الشق المتعلق بالعلاقات الثنائية، أكد السفير اليمني المعتمد بالرباط أن العلاقات بين الرباط وصنعاء تقوم على أسس تاريخية وأخوية متينة، وعلى تقاطع واضح في المواقف بشأن وحدة الأراضي الوطنية وصون السيادة واستقرار المؤسسات.
وأشاد بالموقف المغربي الداعم لوحدة اليمن واستقراره ومؤسساته الشرعية، مستحضرًا مواقف المملكة المغربية المساندة لليمن، وكذا تضامن المغرب مع المملكة العربية السعودية في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها واستقرارها.

وفي المقابل، شدد الأصبحي على ثبات موقف الجمهورية اليمنية من قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية، مؤكدًا أن العلاقات بين البلدين تتجاوز التنسيق السياسي الظرفي لتشمل أبعادًا إنسانية وثقافية وتعليمية واقتصادية.
وتبرز هذه المواقف، بحسب ما جاء في الندوة الصحفية، أهمية استمرار التشاور بين البلدين في ظل التحولات الإقليمية، بما يتيح تعزيز التعاون وتنسيق المواقف إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك.
التعليم والتكوين.. تعاون يتجاوز إكراهات الأزمة
وعلى الرغم من الظروف الاستثنائية التي يعيشها اليمن، أكد السفير استمرار التعاون المغربي اليمني في مجالات متعددة، مشيرًا إلى الحضور المتزايد للطلبة اليمنيين في الجامعات المغربية، وإلى المبادرات الرامية إلى تطوير الشراكة في التكوين والتعليم والتعاون التقني.
وأوضح أن عدد الطلبة والدارسين اليمنيين الوافدين إلى المؤسسات الجامعية المغربية يتراوح بين 100 و150 طالبًا وطالبة، وفق المعطيات التي أشار إليها، فضلًا عن وجود مئات اليمنيين المقيمين بالمغرب.

كما تطرق الأصبحي إلى حصيلة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المبرمة بين البلدين، مشيرًا إلى وجود أكثر من 112 اتفاقية ومذكرة تعاون تشمل مجالات مختلفة، من بينها النقل والطرقات والتعليم الفني والأرصاد الجوية.
وفي هذا الإطار، أشار السفير إلى مبادرة تتعلق بإحداث معهد للتكوين المهني يحمل اسم «المعهد المغربي اليمني للتكوين»، في خطوة تعكس توجهًا نحو توسيع مجالات التعاون العملي وتعزيز تبادل الخبرات، بما يتيح الاستجابة لاحتياجات التكوين والتأهيل المهني.
وتكتسي هذه المبادرات أهمية خاصة في ظل الظروف التي يواجهها اليمن، إذ يشكل الاستثمار في التعليم والتكوين أحد المسارات الممكنة للحفاظ على الروابط الإنسانية بين البلدين، والمساهمة في إعداد الكفاءات اللازمة لمرحلة التعافي وإعادة البناء.
ذكرى وطنية في ظل تحديات استثنائية
وتكتسب ندوة الرباط دلالتها من تزامنها مع ذكرى ثورة 14 أكتوبر، التي تحتل مكانة بارزة في الذاكرة الوطنية اليمنية بوصفها محطة مفصلية في النضال ضد الاستعمار البريطاني في جنوب البلاد.
وبين استحضار هذه الذكرى واستعراض تعقيدات الأزمة الراهنة، حرص السفير اليمني بالمغرب على إبراز حجم التحديات التي تواجه اليمن، سواء على مستوى استعادة مؤسسات الدولة أو احتواء التداعيات الإنسانية أو تحييد البلاد عن مخاطر التصعيد الإقليمي.

وفي ختام مواقفه، عبّر السفير عن ثقته في قدرة اليمن على تجاوز المرحلة الصعبة، معتبرًا أن استمرار المشاريع التي تقوض مؤسسات الدولة ووحدة المجتمع لن يفضي إلى استقرار مستدام، وأن استعادة الدولة ومؤسساتها تظل مدخلًا أساسيًا للخروج من الأزمة.
وتؤكد الرسائل التي حملتها الندوة أن الملف اليمني لم يعد شأنًا داخليًا معزولًا عن محيطه، بل أصبح مرتبطًا بتوازنات إقليمية وأمن الملاحة الدولية وتحديات إنسانية متفاقمة. كما أبرزت أن العلاقات المغربية اليمنية تظل رصيدًا دبلوماسيًا وإنسانيًا يمكن البناء عليه لتعزيز التعاون، وتثبيت مواقف دعم الوحدة والاستقرار، وفتح آفاق أوسع للشراكة رغم إكراهات المرحلة.

التعليقات مغلقة.