مع تصاعد فيه النقاشات العمومية حول حجم العجز في الميزان التجاري، يقدم المسؤولون الحكوميون قراءة مغايرة، تركز على طبيعة هذا العجز ودلالاته الاقتصادية، معتبرين أنه ليس مؤشراً سلبياً بالضرورة، بل هو انعكاس لاقتصاد نامٍ ومنفتح على العالم.
أكد كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، خلال عرضه لمشروع الميزانية الفرعية لوزارة الصناعة والتجارة أمام مجلس النواب، مشدداً على أن النقاش يجب أن ينتقل من حَكم الأرقام المجردة إلى فهم طبيعة الواردات والصادرات.
وفقاً للتصريحات الرسمية، فإن نحو 40% من واردات المغرب هي مواد أساسية لا غنى عنها لاستقراره الاقتصادي والاجتماعي، مثل الحبوب والطاقة. الأهم من ذلك، أن جزءاً كبيراً من الواردات الأخرى ليس سلعاً استهلاكية عابرة، بل هو مدخلات لأنشطة إنتاجية حيوية. وتبرز في هذا الإطار صناعة السيارات، التي تقوم على سلاسل توريد عالمية، مما يستلزم استيراد أكثر من نصف مكوناتها محلياً قبل تصديرها إلى الأسواق العالمية.
هذه الحقيقة تضع العجز التجاري في سياقه العالمي، حيث أن العديد من الدول الصناعية الكبرى تعاني أيضاً من عجز مماثل نتيجة اندماجها في “السلاسل العالمية للقيمة”، حيث تتداخل الواردات مع الصادرات في دورة إنتاجية واحدة.
رداً على منتقدي سياسة الانفتاح التجاري، أكد المسؤول الحكومي أن المغرب ليس “طرفاً خاسراً” في شبكة اتفاقيات التبادل الحر التي أبرمها مع شركاء استراتيجيين مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين وتركيا، بالإضافة إلى دول عربية وإفريقية. هذه الشبكة الواسعة لا توفر للمقاولات المغربية منفذاً إلى سوق هائلة تضم أكثر من ثلاثة مليارات مستهلك فحسب، بل تعزز أيضاً جاذبية المملكة كوجهة للاستثمار الأجنبي المباشر.
لا تبقى هذه الادعاءات حبيسة التقارير النظرية، بل تجسدها إنجازات ملموسة. فقد أصبحت القطاعات الصناعية المغربية، مثل صناعة السيارات والطيران، محركات حقيقية للتصدير، إلى جانب صادرات الفوسفاط ومشتقاته. وقد ساهم هذا الانفتاح في مضاعفة حجم الصادرات، محولاً المغرب إلى قوة صناعية صاعدة على المستوى القاري.
في خلاصة استراتيجية، أوضح كاتب الدولة أن الحل لا يكمن في التراجع عن سياسة الانفتاح أو إغلاق الحدود أمام الواردات، فهذه مقاربة ثبت فشلها في العديد من التجارب الدولية. التحدي الحقيقي الذي يجب أن تركز عليه الجهود هو “تطوير القدرة الإنتاجية الوطنية وزيادة القيمة المضافة”.
بكلمات أخرى، تحويل الواردات الضرورية من مجرد بنود في ميزانية العجز إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي. وذلك من خلال توظيفها في صناعات محلية تخلق فرص عمل، وتعزز المهارات، وتزيد من حضور “المصنوع في المغرب” في الأسواق العالمية.
هكذا، يتحول النقاش من جدال حول أرقام العجز إلى استراتيجية شاملة تجعل من التجارة الخارجية أداة للتنمية المستدامة وخلق الثروة.

التعليقات مغلقة.