حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من المخاطر المالية والاقتصادية التي قد ترافق الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب استعداداً لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، داعياً إلى تدبير كلفة هذه المشاريع بحذر، وضمان تحويل الاستثمارات الضخمة إلى رافعة للنمو بدل أن تتحول مستقبلاً إلى أعباء مالية على الدولة والمؤسسات العمومية.
وكشف المجلس، في تقريره السنوي برسم سنة 2025، أن النفقات المنجزة والمبرمجة في إطار الاستعداد لتنظيم المونديال قد تصل إلى نحو 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، أي ما يعادل حوالي 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي المسجل سنة 2024.
وتشمل هذه الاستثمارات مجموعة من القطاعات الاستراتيجية، من بينها البنيات التحتية السككية والمطارات والمنشآت الرياضية، إلى جانب الشبكات الطرقية والحضرية والبنيات التحتية السياحية والاستشفائية وشبكات الاتصالات.
وأشار التقرير إلى أن المؤسسات والمقاولات العمومية ستتحمل الحصة الأكبر من هذا الجهد الاستثماري، بما يعادل نحو 7.4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 3.2 في المائة للجماعات الترابية و1.4 في المائة للميزانية العامة للدولة.
وسجل المجلس أن أحد أبرز التحديات يتمثل في الاستدامة الميزانياتية والمالية، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الاقتراض لتمويل هذه الأوراش. ووفق تقديراته، فإن نحو 89 في المائة من المشاريع المرتبطة بهذه الاستثمارات سيتم تمويلها عن طريق الاستدانة.
ويرى المجلس أن هذا الوضع يطرح تساؤلات حول قدرة المشاريع المنجزة على تحقيق عائدات اقتصادية كافية لتغطية تكلفتها على المديين المتوسط والبعيد، خصوصاً أن مشاريع البنيات التحتية الكبرى المرتبطة بالتظاهرات الدولية قد تعرف تجاوزات في الكلفة أو تحقق مردودية اقتصادية أقل من التوقعات الأولية.
وتزداد هذه المخاطر، بحسب التقرير، مع اللجوء إلى مديونية المؤسسات والمقاولات العمومية، فضلاً عن آليات التمويل المبتكرة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، التي يمكن أن تترتب عنها التزامات محتملة على الدولة، من بينها ضمان حد أدنى من المردودية.
ولم تقتصر ملاحظات المجلس على مخاطر التمويل، بل شملت أيضاً محدودية النجاعة الاقتصادية لبعض الاستثمارات، رغم التطور الكبير الذي حققه المغرب في مجال البنيات التحتية خلال العقود الأخيرة.
وأوضح التقرير أن المردودية الاقتصادية للاستثمار في المغرب لا تزال محدودة نسبياً، مستشهداً بالتدهور التدريجي في مؤشر المعامل الهامشي للرأسمال (ICOR)، الذي يعكس تراجع المردودية الحدية للرأسمال، بما يعني أن تحقيق مستويات النمو نفسها أصبح يتطلب حجماً أكبر من الاستثمار.
ويربط المجلس هذه الوضعية بهيمنة الاستثمار العمومي، الذي لا تظهر آثاره على النمو بالضرورة بشكل فوري، إضافة إلى طبيعة بعض المشاريع التي قد لا تكون انعكاساتها الاقتصادية مباشرة أو مضمونة بشكل منهجي.
كما لفت إلى أن جزءاً مهماً من هذه الاستثمارات يعتمد على استيراد المواد الوسيطة ومعدات التجهيز، وهو ما قد يحد، على المدى القصير، من أثرها على القيمة المضافة المحلية.
وبالنسبة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فإن نجاح الأوراش المرتبطة بكأس العالم 2030 لا ينبغي أن يقاس فقط بمدى جاهزية المغرب لاستضافة الحدث العالمي، وإنما بقدرته على تحويل هذه الاستثمارات إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية مستدامة تتجاوز فترة التظاهرة.
ويرى المجلس أن تحقيق هذا الهدف يظل رهيناً بقدرة المشاريع على رفع الإنتاجية وتعزيز الاندماج المحلي في سلاسل القيمة وتحفيز الاستثمار الخاص، خصوصاً من جانب المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.
وفي هذا السياق، شدد التقرير على ضرورة مواكبة هذه المقاولات وتأهيلها وتعزيز قدراتها حتى تتمكن من الاستفادة من الفرص التي ستتيحها الأوراش الكبرى، بدل أن تظل القيمة الاقتصادية لهذه الاستثمارات مرتبطة أساساً بمرحلة إنجاز المشاريع.
ويضع التقرير بذلك رهاناً أوسع أمام المغرب، يتمثل في ضمان ألا تنتهي آثار الاستثمارات المرتبطة بمونديال 2030 بانتهاء المنافسات، بل تتحول البنيات التحتية والمنشآت والمشاريع المنجزة إلى محركات دائمة للنمو والإنتاجية وخلق فرص الاستثمار والعمل، بما يضمن مردودية اقتصادية واجتماعية مستدامة على المدى الطويل.

التعليقات مغلقة.