تعد الثقة المتبادلة والأمان النفسي من الركائز الأساسية لاستقرار بيئة العمل وتماسك العلاقات الإنسانية، غير أن انتشار النميمة ونقل الأحاديث واستغلال الأسرار الشخصية قد يحول هذه العلاقات إلى مصدر للتوتر والصراعات، خاصة عندما تصدر هذه السلوكيات عن أشخاص سبق أن استفادوا من الدعم والمساندة، قبل أن يوظفوا ما اكتسبوه من ثقة ومعرفة بالخصوصيات للإساءة إلى الآخرين والنيل من سمعتهم.
وتبرز خطورة هذه الممارسات عندما تتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر، لتتحول إلى محاولات لتصفية الحسابات الشخصية وتأليب المحيط المهني، من خلال اجتزاء التصريحات وإخراج الوقائع من سياقها، بما يساهم في نشر الشكوك وإضعاف الثقة بين الأفراد.
النقد البناء في مواجهة النميمة
ويفرض التمييز بين النقد الموضوعي والنميمة نفسه باعتباره مدخلاً أساسياً لترسيخ التواصل المسؤول داخل المؤسسات. فالنقد البناء يستند إلى وقائع واضحة وملاحظات قابلة للتقييم، ويهدف إلى تصحيح الاختلالات وتحسين الأداء، دون المساس بكرامة الأشخاص أو التشكيك في نزاهتهم.
في المقابل، تعتمد النميمة على تداول الأحاديث في الكواليس وتتبع الهفوات واستغلال المعلومات الخاصة للإضرار بالآخرين، وهو ما ينعكس سلباً على مناخ العمل ويغذي الخلافات الشخصية، بدل توجيه الجهود نحو تحقيق الأهداف المشتركة.
كما يعكس نكران الجميل، حين يقترن باستغلال الثقة والإساءة إلى أصحاب الفضل، خللاً في منظومة القيم التي تقوم عليها العلاقات المهنية والإنسانية، إذ لا يُقاس الوفاء فقط خلال فترات التفاهم والمصالح المشتركة، بل يتجلى أساساً عند الاختلاف والنزاع، من خلال احترام العهود وصيانة الأسرار وتجنب توظيف الخصوصيات للإساءة.
حرمة الأعراض وصيانة الخصوصيات
وتؤكد المرجعية الدينية أهمية صيانة الأعراض والابتعاد عن الغيبة والتجسس وتتبع عثرات الآخرين، لما لهذه السلوكيات من آثار مدمرة على العلاقات الإنسانية والسلم الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يقول الله تعالى في سورة الحجرات: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾، كما ورد في الحديث النبوي الشريف: «لا يدخل الجنة نمّام»، في تأكيد على خطورة نقل الكلام وإفساد العلاقات بين الناس.
وتشكل هذه المبادئ دعوة إلى ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل، وتغليب الحوار المسؤول على الوشايات، والابتعاد عن كل ممارسة تستهدف كرامة الأشخاص أو تستغل الثقة الممنوحة لأغراض شخصية.
الحكامة الرشيدة تقتضي الحزم والمسؤولية
وأمام هذه السلوكيات، تبرز أهمية اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على التحقق من الوقائع، وعدم الانسياق وراء الأخبار مجهولة المصدر، مع وضع ضوابط واضحة تحمي العلاقات المهنية من التجاوزات المتكررة.
كما يقتضي التدبير الرشيد الفصل بين الاختلافات الشخصية ومتطلبات العمل، والتعامل مع الخلافات وفق قواعد مؤسسية واضحة، بعيداً عن ردود الفعل الانفعالية والسجالات التي قد تزيد من حدة التوتر.
وفي الحالات التي تتجاوز فيها النميمة حدود نقل الكلام لتتحول إلى تشهير أو مساس بالسمعة والاعتبار الشخصي والمهني، تبرز أهمية اللجوء إلى المساطر التأديبية والقانونية المناسبة، وفق طبيعة الأفعال والأدلة المتاحة، بما يضمن حماية الحقوق وترتيب المسؤوليات.
وفي المحصلة، يظل تقديم المساعدة ومد يد العون قيمة إنسانية نبيلة لا ينبغي أن تتراجع بسبب مواقف فردية قائمة على الجحود أو الإساءة، غير أن الحفاظ على هذه القيمة يقتضي في الوقت نفسه التحلي باليقظة والحكمة في منح الثقة، وترسيخ ثقافة تقوم على الوفاء وصيانة الأمانات واحترام الخصوصيات.
فاستقرار المؤسسات والمجتمعات لا يتحقق بمجرد تجنب الخلافات، بل بقدرتها على تدبيرها بمسؤولية، والتمييز بين النقد الذي يسهم في الإصلاح والسلوك الذي يغذي الفتنة، مع جعل احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون أساساً للعلاقات المهنية والاجتماعية.

السابق بوست
التعليقات مغلقة.