بين أحضان جبال شامخة، وقمم غابوية تكسوها أشجار البلوط والأرز والنباتات العطرية، تقع جماعة بوشفاعة التابعة لدائرة وادي أمليل بإقليم تازة، على مسافة تقل عن 15 كيلومتراً من الطريق الوطنية الرابطة بين فاس وتازة. موقع جغرافي متفرد يجعل المنطقة غنية بمؤهلات طبيعية وسياحية مهمة، لكنه في المقابل يخفي واقعاً صعباً تعيشه ساكنة الجماعة، بسبب قسوة التضاريس وضعف البنيات الأساسية واستمرار مظاهر التهميش.
وتضم الجماعة، التي يناهز عدد سكانها 11 ألف نسمة، المركز الجماعي وعدداً من الدواوير والتجمعات السكنية، من بينها أهل بودريس، وبوشفاعة الشرقية، وأغبالو كوسة، ودوار عين الساهلة، إلى جانب تجمعات أخرى متفرقة. ورغم قربها النسبي من المحاور الطرقية الرئيسية، فإن طبيعة المنطقة الجبلية جعلت عدداً من دواويرها تعيش، خصوصاً خلال فصل الشتاء، على وقع العزلة وصعوبة التنقل.
وتعد شبكة الطرق والمسالك من أبرز الإشكالات التي تؤرق سكان بوشفاعة، إذ تتسبب الأمطار الغزيرة خلال موسم الشتاء في انهيارات متكررة للتربة على طول المنحدرات، ما يؤدي إلى قطع الطريق الجهوية في عدد من المقاطع، وطمْرها بشكل كامل في نقاط أخرى، الأمر الذي يعرقل حركة السير والتنقل بين مركز الجماعة ووادي أمليل والطريق الوطنية.
ولا تقتصر تداعيات هذه الوضعية على التنقل فحسب، بل تمتد إلى الحركة الاقتصادية والاجتماعية، حيث يجد المرضى والتلاميذ والعمال وسائقو سيارات الأجرة وأصحاب المركبات أنفسهم أمام رحلة يومية محفوفة بالمخاطر.
وتزداد صعوبة الوضع بسبب ضيق الطريق وتهالكها، إذ ظلت، وفق إفادات الساكنة، على حالها لسنوات طويلة دون إصلاح وتأهيل وتوسيع بالشكل الكفيل بمواجهة طبيعة المنطقة. كما أن بعض المقاطع لم تعد تسمح بمرور مركبتين في الاتجاهين بشكل آمن، فيما تعرف الطرقات داخل المركز والمسالك المؤدية إلى الدواوير بدورها مظاهر التدهور والاهتراء.
ومع استمرار التساقطات الثلجية فوق القمم والمرتفعات، تتفاقم عزلة بعض التجمعات السكنية، لتتحول التضاريس التي تمنح المنطقة جمالها الطبيعي إلى عامل يزيد من صعوبة الحياة اليومية.
ولا تتوقف معاناة الساكنة عند مشكل الطرق، إذ يواجه المركز الصحي بالجماعة بدوره صعوبات في الاستجابة لمختلف الحاجيات الصحية، خاصة بالنسبة للأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
ويُعزى ذلك، وفق المعطيات الواردة، إلى محدودية الموارد البشرية والأطر الطبية، فضلاً عن غياب بعض الأدوية، وهو ما يجعل الطاقم المتوفر عاجزاً عن الاستجابة لجميع حاجيات المرضى والمرتفقين. وقد أدت هذه الوضعية، في بعض الأحيان، إلى توترات بين المواطنين والعاملين بالمركز، استدعت تدخل رجال الدرك الملكي والسلطة المحلية.
ومن أكثر المفارقات إثارة للانتباه، معاناة عدد من دواوير بوشفاعة من أزمة في مياه الشرب وانقطاعات متكررة، رغم وجود المنطقة فوق فرشة مائية مهمة وقربها من موارد مائية، من بينها سد باب لوطا الذي تستفيد منه مدن وجماعات أخرى.
وقد دفعت هذه الوضعية سكان بعض الدواوير إلى الاحتجاج والمطالبة بتوفير الماء الصالح للشرب، إلى جانب توجيه مراسلات إلى المسؤولين محلياً وإقليمياً، غير أن الأزمة، حسب المعطيات المتوفرة، ازدادت حدة مع حلول فصل الصيف.
وأمام استمرار هذه المعاناة، باتت بعض الأسر تفكر في مغادرة المنطقة نحو مدن قريبة، في ظل صعوبة توفير أحد أبسط شروط الاستقرار والعيش الكريم.
ورغم هذه الإكراهات، تزخر جماعة بوشفاعة بمؤهلات طبيعية يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية المحلية، خصوصاً بالنظر إلى موقعها الغابوي والجغرافي، وقربها من عدد من المواقع والمؤهلات السياحية، من بينها مغارتا جفريط وفريواطو، ومنتجع رأس الماء، وسد باب لوطا.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن استثمار هذه المؤهلات، إلى جانب توجيه العائدات المرتبطة بالموارد الغابوية نحو مشاريع تنموية ملموسة، يمكن أن يساهم في فك العزلة عن الدواوير وتحسين ظروف عيش السكان، بدل بقاء هذه الثروات الطبيعية منفصلة عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة.
وتبرز الحاجة، في هذا السياق، إلى إنجاز مسالك طرقية صلبة قادرة على مقاومة التقلبات المناخية، وتوفير الماء الصالح للشرب، وتقريب الخدمات الأساسية من السكان، فضلاً عن توسيع وتأهيل الطريق الرابطة بين مركز الجماعة والطريق الوطنية، وحماية المقاطع المهددة بالانهيارات عبر إنجاز منشآت وواقيات إسمنتية مناسبة.
كما يمكن للمؤهلات الطبيعية والسياحية التي تزخر بها بوشفاعة أن تشكل أساساً لإطلاق مشاريع سياحية مستدامة تستقطب الزوار ومحبي الاستكشاف والمغارات والطبيعة، بما يسمح بخلق فرص شغل جديدة لفائدة الشباب، وتنشيط الاقتصاد المحلي.
وبين جمال الطبيعة وقسوة التضاريس، تبدو جماعة بوشفاعة أمام مفارقة واضحة: منطقة تمتلك مقومات طبيعية وسياحية مهمة، لكنها لا تزال تعاني من ضعف البنيات الأساسية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الضرورية.
وتبقى معالجة هذه الاختلالات رهينة بإعطاء المنطقة ما تستحقه من اهتمام، وربط المؤهلات الطبيعية بالتنمية المحلية، وتحويل الثروات المتوفرة إلى مشاريع ملموسة تستفيد منها الساكنة، بما يضع حداً لعزلة طال أمدها ويمنح أبناء بوشفاعة فرصة حقيقية للاستقرار والتنمية بدل البحث عن مستقبلهم خارج المنطقة.

التعليقات مغلقة.