أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

حركة النهضة والثورة : لماذا اختارها التونسيون بعد بن علي؟

سلوى الجيلالي بوعلي

لم تكن الثورة التونسية مشروع حزب واحد ولم يكن سقوط نظام زين العابدين بن علي في 14 جانفي 2011 انتصارًا سياسيًا جاهزًا لقوة بعينها كانت الثورة،ط في جوهرها تعبيرًا عن تراكم طويل من الاحتقان الاجتماعي والسياسي وعن رغبة في استعادة الكرامة والحرية وإنهاء منظومة ارتبطت في أذهان قطاعات واسعة من التونسيين بالفساد والتهميش وانسداد الأفق.

لكن الثورة التي جمعت التونسيين حول مطلب التغيير فتحت في الوقت نفسه بابًا واسعًا أمام التنافس على تعريف المستقبل وما إن سقط النظام حتى انتقل السؤال من: كيف نُنهي عهد الاستبداد ؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا : من يملك القدرة على تمثيل المجتمع وإدارة المرحلة الجديدة؟

في هذا السياق عادت حركة النهضة إلى المشهد السياسي العلني بعد سنوات من الملاحقة والسجن والمنفى لتجد نفسها أمام فرصة لم تكن متاحة لها في ظل النظام السابق : أن تتحول من حركة معارضة محرومة من المشاركة إلى قوة سياسية تنافس على الحكم عبر صناديق الاقتراع.

غير أن عودتها لم تكن وحدها ما يستحق التوقف عنده بل سرعة صعودها أيضًا كيف استطاعت حركة غابت طويلًا عن المؤسسات الرسمية أن تصبح القوة الأولى في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي؟ ولماذا اختارها جزء واسع من الناخبين في حين اختار آخرون أحزابًا ذات مرجعيات مختلفة؟

الثورة لم تصنعها النهضة وحدها

من الضروري أن نبدأ من هذه الحقيقة حتى لا نقع في اختزال التاريخ.

لقد انطلقت الشرارة الأولى للاحتجاجات من سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2010 ثم اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل مدنًا وجهات متعددة بمشاركة فئات اجتماعية مختلفة من الشباب والعاطلين عن العمل إلى النقابيين والمحامين والطلبة وشرائح من الطبقة الوسطى.

كانت المطالب في بدايتها مرتبطة بالكرامة والشغل والعدالة الاجتماعية لكنها سرعان ما تحولت إلى مواجهة سياسية مع النظام وانتهت برحيل بن علي.

لم تكن حركة النهضة هي التي أطلقت هذه الانتفاضة ولم تكن القوة الوحيدة التي عارضت النظام فقد أسهمت في مقاومته أطراف سياسية ونقابية وحقوقية إلى جانب مواطنين لم يكونوا بالضرورة منتمين إلى أي تنظيم.

لكن سقوط النظام أوجد وضعًا جديدًا استفادت منه النهضة بحكم تاريخها المعارض وامتداد حضورها الاجتماعي والرمزية التي اكتسبها أعضاؤها الذين تعرضوا للسجن أو اضطروا إلى المنفى.

وهنا ينبغي التمييز بين المشاركة في الثورة والاستفادة السياسية من نتائجها والقدرة على الفوز بالانتخابات التي أعقبتها فهذه مستويات متمايزة وإن كانت مترابطة لماذا كانت النهضة حاضرة بقوة حين عادت الأحزاب إلى المنافسة؟ حين فُتحت أبواب الحياة السياسية بعد الثورة لم تدخل جميع الأحزاب السباق بالشروط نفسها.

كانت النهضة حركة معروفة لدى قطاعات من التونسيين قبل 2011 رغم القمع الذي تعرضت له وكان اسمها مرتبطًا في ذاكرة أنصارها بفترة طويلة من الملاحقة والإقصاء وهو ما منحها رصيدًا رمزيًا لم يتوافر بالدرجة نفسها لأحزاب حديثة التأسيس أو لقوى لم تستطع تحويل حضورها الفكري والحقوقي إلى تنظيم انتخابي واسع.

كما استفادت من عودة قياداتها وكوادرها ومن قدرتها على التواصل مع الناخبين وتعبئة الأنصار في وقت كانت فيه الحياة الحزبية تعيد بناء نفسها بعد عقود من هيمنة الحزب الحاكم السابق.

وتشير قراءة نشرها مركز كارنيغي للسلام الدولي عقب انتخابات 2011 إلى أهمية التنظيم الميداني ومعرفة الناخبين باسم الحركة ورصيدها المعارض وفاعلية حملتها الانتخابية في تفسير تقدمها كما أن حضورها لم يكن قائمًا على العامل الديني وحده بل تداخلت فيه اعتبارات تتصل بالثقة والهوية والتنظيم واختيارات الناخبين المحلية

ولعل النقطة الأهم هنا أن غياب الأحزاب عن الحياة السياسية لا يعني غيابها عن ذاكرة المجتمع فقد تخرج قوة سياسية من سنوات القمع وهي محرومة من المؤسسات لكنها تحتفظ بروابط اجتماعية ورمزية تمنحها أفضلية حين يُفتح المجال للمنافسة.
هل صوّت التونسيون للنهضة بسبب هويتها الإسلامية؟ قد يبدو هذا التفسير بديهيًا للوهلة الأولى لكنه لا يكفي وحده لفهم النتيجة.

فبالنسبة إلى بعض الناخبين مثّلت النهضة تعبيرًا عن هوية دينية وثقافية شعروا أن النظام السابق لم يمنحها المساحة التي تستحقها وبالنسبة إلى آخرين كان التصويت لها موقفًا من الإقصاء السياسي الذي تعرض له أعضاؤها أو تعبيرًا عن الثقة في قدرتها على محاسبة رموز النظام السابق.

وهناك من رأى فيها حزبًا منظمًا يمتلك قيادات معروفة وقواعد انتخابية واضحة في مقابل مشهد حزبي جديد ومتشظٍ لم تكن جميع مكوناته قد نجحت في بناء حضور ميداني مماثل.

كما أن بعض الناخبين لم يكونوا بالضرورة مؤيدين لكل تصورات الحركة بل ربما رأوا فيها خيارًا مناسبًا في لحظة انتقالية أو اختاروا مرشحيها لأسباب محلية واجتماعية.

وتدعم الأبحاث المتعلقة بالانتخابات التونسية فكرة أن التصويت للنهضة لم يكن تعبيرًا عن عامل واحد إذ تداخلت الميول الدينية مع الاعتبارات التنظيمية والاجتماعية ومع الثقة في المرشحين وشبكات التواصل المحلي.

وهنا يجب أن نتجنب خطأين متعاكسين : أن نعتبر كل من صوّت للنهضة مصوتًا لمشروع أيديولوجي متكامل أو أن ننكر دور المرجعية الإسلامية في جاذبية الحركة لدى قطاعات من المجتمع.

فالناخبون ليسوا كتلة واحدة والأصوات التي تتجمع خلف حزب ما قد تحمل دوافع مختلفة بل قد تتباين حتى في تصورها لما ينبغي أن يفعله ذلك الحزب بعد وصوله إلى الحكم.

انتخابات 23 أكتوبر 2011 : ماذا قالت الصناديق فعلًا؟

في أول انتخابات للمجلس الوطني التأسيسي بعد الثورة تصدرت حركة النهضة النتائج وحصلت على نحو 41% من مقاعد المجلس، أي 89 مقعدًا من أصل 217 وفق النتائج النهائية المتداولة رسميًا وقد منحتها هذه النتيجة موقع القوة الأولى في المجلس لكنها لم تمنحها أغلبية مطلقة تتيح لها الحكم منفردة.

كانت النتيجة ذات دلالة تاريخية واضحة : حزب كان ممنوعًا من النشاط السياسي العلني في عهد بن علي أصبح في مقدمة القوى المنتخبة، ووجد نفسه أمام مسؤولية المشاركة في صياغة دستور جديد وإقامة مؤسسات سياسية مختلفة عن مؤسسات النظام السابق.

لكن النتيجة تحتاج أيضًا إلى قراءة دقيقة فتصدّر الانتخابات لا يعني أن غالبية التونسيين اختارت النهضة إذ لم تحصل الحركة على أغلبية أصوات الناخبين كما أن المجلس ضم قوى سياسية متعددة من بينها المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وأحزاب أخرى.

لقد اختار الناخبون خيارات متنوعة وكانت النهضة أكبر المستفيدين من تلك الانتخابات لا الممثل الوحيد لإرادة المجتمع.

وهذا التمييز أساسي لفهم ما حدث لاحقًا : فالشرعية الانتخابية منحت النهضة حق المشاركة في قيادة المرحلة لكنها لم تلغِ التعدد السياسي ولم تعفِ الحركة من ضرورة بناء التوافقات.

ما الذي كان ينتظره الناخب من النهضة؟

ربما يكمن أحد مفاتيح التجربة في المسافة بين ما انتظره الناس من الانتخابات وما كانت السياسة قادرة على تحقيقه في زمن قصير.

لقد خرج التونسيون من الثورة وهم يتطلعون إلى الحرية والكرامة لكنهم كانوا ينتظرون أيضًا حلولًا للبطالة والتهميش والفوارق الجهوية وإصلاحًا للإدارة ومحاسبة للفساد واستعادة للثقة في الدولة.

بالنسبة إلى من صوّت للنهضة لم يكن بالضرورة أن يكون البرنامج السياسي وحده هو الحاسم فقد اجتمعت لدى بعض الناخبين الرغبة في التغيير مع الثقة في حركة معروفة أو مع الاعتقاد بأنها أقدر على تمثيل قيمهم أو على القطع مع ممارسات النظام السابق.

لكن صندوق الاقتراع لا يكشف لنا دوافع كل ناخب ولا يجوز أن نستنتج من النتيجة وحدها أن التونسيين أجمعوا على رؤية واحدة للدولة والمجتمع.

كان التصويت لحظة اختيار سياسي أما ما بعده فكان اختبارًا لقدرة الأحزاب على ترجمة تلك الاختيارات إلى مؤسسات وسياسات ونتائج ملموسة.بين رصيد المعارضة ومسؤولية الحكم

لقد منحت سنوات الملاحقة النهضة رصيدًا تاريخيًا لدى أنصارها لكن هذا الرصيد كان يضعها أيضًا أمام اختبار جديد. فالحركة التي تطالب بالحرية والمشاركة حين تكون خارج السلطة تصبح مطالبة حين تدخلها بضمان الحقوق نفسها للمختلفين معها.

وهنا انتقلت النهضة من سؤال : كيف نستعيد حقنا في العمل السياسي ؟
إلى سؤال آخر : كيف ندير دولة متعددة المرجعيات والاتجاهات في ظل مجتمع يطالب بالتغيير ويخشى في الوقت نفسه أن تستبدل هيمنة بأخرى؟

لم تكن الإجابة سهلة ولم تكن المرحلة خالية من الضغوط أو الأخطاء أو الحسابات السياسية لكن تقييم التجربة لا ينبغي أن يبدأ من نتائجها اللاحقة وحدها بل من فهم الظروف التي صنعت صعودها والخيارات التي اتخذتها والحدود التي واجهتها.

إن الإنصاف لا يقتضي أن نمنح الحركة حصانة من النقد بسبب ما تعرضت له في الماضي كما لا يقتضي تجاهل ذلك الماضي عند تفسير موقعها في انتخابات 2011. فالتاريخ لا يُقرأ بإلغاء الذاكرة ولا بتحويلها إلى حكم نهائي.

ما بين الثورة والصندوق: سؤال يتجاوز النهضة

قد يكون السؤال الأعمق في هذه المرحلة ليس لماذا فازت النهضة فحسب بل لماذا اتجهت شريحة مهمة من التونسيين إلى حزب يحمل مرجعية إسلامية في أول انتخابات حرة بعد عقود من الحكم السلطوي؟

هل كانت النتيجة تعبيرًا عن رغبة في استعادة الهوية؟ أم مكافأة سياسية لحركة عانت الإقصاء. ؟ أم بحثًا عن بديل من منظومة فقدت شرعيتها؟ أم نتيجة تفاعل بين هذه العوامل وبين قوة التنظيم والقدرة على التعبئة؟

لا تقدم الوقائع إجابة واحدة تصلح لجميع الناخبينلكن اجتماع هذه العوامل يساعد على فهم النتيجة دون اختزالها في تفسير أيديولوجي أو عاطفي منفرد.

لقد فتحت الثورة المجال أمام التونسيين ليختاروا واختار بعضهم النهضة واختار آخرون قوى مختلفة أما الامتحان الحقيقي فبدأ بعد إعلان النتائج حين أصبحت الوعود مسؤولية وأصبح التوافق ضرورة وصار النجاح السياسي مرتبطًا بقدرة القوى المنتخبة على إدارة اختلافاتها دون أن تفقد الدولة توازنها.

لم يكن صعود النهضة مجرد عودة حزب إلى المشهد بل كان أحد تعبيرات التحول الذي أحدثته الثورة في المجتمع والسياسة لكن الفوز بالانتخابات لا يجيب وحده عن سؤال القدرة على الحكم مثلما أن التعثر اللاحق لا يمحو حقيقة أن الحركة عادت إلى المنافسة السياسية عبر صناديق الاقتراع.

ومن هنا نصل إلى السؤال الذي يمهد للجزء الخامس: حين اختار التونسيون النهضة للمشاركة في بناء تونس الجديدة هل كانت الحركة مستعدة للانتقال من شرعية المعارضة إلى مسؤولية الحكم وهل كان المشهد السياسي بأكمله مستعدًا لإدارة هذا التحول؟

التعليقات مغلقة.