أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

العنوان: نريد حكومة لا تشبه سابقاتها.. كفاءات حقيقية لمواجهة تحديات مغرب المرحلة المقبلة

جريدة اصوات

بقلم: عبدالله العبادي كاتب صحافي مختص في الشؤون العربية والإفريقية

لا تُقاس القضايا السياسية والمجتمعية دائماً بحجم الجدل الذي تثيره، بل بما تطرحه من أسئلة جوهرية، وبمدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين. فالتجارب الحكومية لا تُقيَّم بمجرد الشعارات والوعود، وإنما بما تحققه من نتائج، وبما تتركه من أثر في المؤسسات والمجتمع.

لقد مرّ وزراء عبر مناصب حكومية دون أن يتركوا بصمة واضحة في القطاعات التي تولّوا مسؤوليتها، بينما ارتبطت تجارب أخرى بإخفاقات لا تزال آثارها حاضرة في النقاش العام. وبين هذا وذاك، تتجدد الحاجة إلى حكومة مختلفة، قادرة على تجاوز أخطاء الماضي والاستجابة لتطلعات المغاربة.

حكومة المرحلة المقبلة لا تملك ترف التجريب أو تكرار الأخطاء. فالتوقيت السياسي دقيق، والتحديات الداخلية والخارجية متشابكة، فيما يشهد العالم تحولات متسارعة تفرض على الدول امتلاك رؤية واضحة وأدوات فعالة لمواكبة المتغيرات. لذلك، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بتوزيع الحقائب الوزارية وفق الحسابات السياسية الضيقة، بل أصبح من الضروري البحث عن كفاءات حقيقية تمتلك الخبرة والقدرة على التدبير واتخاذ القرار.

المغرب اليوم بحاجة إلى وزراء يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ويستوعبون طبيعة المرحلة ومتطلباتها، بعيداً عن منطق الولاءات والتوازنات التي قد تضع الاعتبارات الحزبية فوق المصلحة العامة. فالمناصب الحكومية ليست امتيازات شخصية، وإنما مسؤوليات تقتضي الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.

وفي كثير من الأحيان، تبدو بعض الأحداث السياسية وكأنها مجرد تفاصيل عابرة في مشهد يومي مزدحم، غير أن توقيتها وطريقة تدبيرها قد يكشفان عن تحولات أعمق تمس الدولة والمجتمع والممارسة السياسية. كما تشكل هذه الأحداث اختباراً حقيقياً لمدى قدرتنا على استيعاب التجارب السابقة واستخلاص الدروس من المحطات الانتخابية والحكومات المتعاقبة، فضلاً عن تقييم أداء الأحزاب ومدى وفائها بالتزاماتها.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الحكومة المرتقبة لسنة 2026 لا ينبغي أن يظل مجرد محاولة لاستشراف الأسماء التي ستتولى الحقائب الوزارية، بل يجب أن يتحول إلى نقاش جدي حول طبيعة الحكومة التي يحتاجها المغرب، ومعايير اختيار أعضائها، ومدى قدرتهم على تقديم إجابات عملية عن انتظارات المواطنين.

لقد آن الأوان لوضع حد لتكرار التجارب الحكومية التي لم تحقق النتائج المنتظرة، ولتجاوز منطق إسناد المسؤوليات إلى أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم وخبراتهم مع حجم القطاعات التي يشرفون عليها. فإدارة الشأن العام تحتاج إلى معرفة سياسية وخبرة إدارية ورؤية استراتيجية، وليس إلى مجرد حضور في المشهد الحزبي أو امتلاك موقع ضمن موازين القوى.

إن المطلوب ليس حكومة جديدة في أسمائها فقط، بل حكومة مختلفة في أدائها وأولوياتها وطريقة اشتغالها؛ حكومة تجعل الكفاءة أساس الاختيار، والمحاسبة قاعدة للعمل، والإنجاز معياراً لتقييم المسؤولين. فالمغاربة لا ينتظرون مجرد تغيير في الوجوه، وإنما تحولاً حقيقياً في أسلوب تدبير الشأن العام والاستجابة لمطالبهم الاجتماعية والاقتصادية.

وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في ظل السياق السياسي الذي يحيط بالمرحلة المقبلة، وما يحمله من رهانات داخلية وإقليمية. فالحكومة المرتقبة ليست مجرد تشكيلة عادية، بل هي حكومة يُنتظر منها التعامل مع مغرب يعيش تحولات متسارعة، ويواجه استحقاقات تتطلب وضوح الرؤية والقدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة.

ومن هنا، فإن قراءة التشكيلة الحكومية المنتظرة لا ينبغي أن تنحصر في أسماء الوزراء أو الانتماءات الحزبية، بل يجب أن تمتد إلى طبيعة المشروع الذي ستحمله، والأولويات التي ستضعها، والوسائل التي ستعتمدها لتنزيل التزاماتها.

نريد حكومة لا تشبه سابقاتها، لا لأنها ستضم وجوهاً جديدة فحسب، بل لأنها ستقدم نموذجاً مختلفاً في المسؤولية والفعالية والإنجاز. حكومة تدرك أن ثقة المواطنين لا تُكتسب بالخطابات، وإنما بالنتائج، وأن قيمة المنصب الوزاري لا تُقاس بمكانته الرمزية، بل بما يحققه من أثر إيجابي في حياة الناس.

فالمغرب لا يحتاج إلى حكومة تدبّر الزمن السياسي بانتظار نهاية الولاية، بل إلى حكومة تصنع الفرق، وتستوعب دروس الماضي، وتستعد لمتطلبات المستقبل.

التعليقات مغلقة.