إن الممارسة السياسية في جوهرها هي علم تدبير الشأن العام لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. غير أن المتأمل لواقع الممارسة الحزبية اليوم في العديد من المحطات والحكومات المتعاقبة، يلمس انزلاقا مقلقا نحو ما يمكن تسميته مجازا بحكومة العاهات السياسية وهي حالة مرضية تعاني منها السلطة التنفيذية من عجز بنيوي ووظيفي يجعلها عاجزة عن الابتكار ومكبلة بصراعات داخلية ومنفصلة كليا عن هموم الشارع والمواطن.
إذ لا تنشا الحكومة المعلولة من فراغ بل هي حصيلة مسار متراكم من الاختلالات التي تظهر بوضوح عبر عدة أعراض، فمثلا حين تتحالف أحزاب تفتقر إلى الحد الأدنى من الانسجام الفكري أو البرنامج المشترك يتحول المجلس الحكومي إلى حلبة لتقاسم النفوذ بدل أن يكون مصنعا للسياسات العمومية مما يؤدي الى البطء الشديد أو التراجع في اتخاذ القرارات الجريئة.
فهذا التشردم تغلب عليه لغة الوعود الفضفاضة والشعارات الاستهلاكية كمواسم الحملات الانتخابية، لكنها تصطدم فور توليها المسؤولية بحائط الواقع الصلب، أي فاقدة للكفاءة التدبيرية والرؤية الاستراتيجية الطويلة الأمد، كما أن غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة يجب تفعيله حتى تسود ثقافة التقييم الحقيقي وتحضر آليات التتبع والمساءلة الفعالة ومراقبة هدر المال العام والزمن التنموي.
إن استمرار هذا النمط من التدبير الرديء له تكلفة باهظة لا تتوقف عند حدود تعثر المشاريع الاقتصادية فحسب بل تمتد لتضرب في عمق البناء الديمقراطي، كما يؤدي أيضا الى ازمة ثقة مؤسساتية، وباستمرار التناقض بين الخطابات الرسمية والواقع المعاش تزداد الهوة بين المواطن والنخب الحزبية والسياسية، وفي ظل غياب سياسات عمومية منسجمة وقوية تتسع رقعة الفوارق الاجتماعية والمجالية وتصبح الفئات الهشة وحدها من تؤدي فاتورة الفشل الحكومي وغياب الإصلاحات الهيكلية الحقيقية.
إن العلاج الوحيد للمعنى الحقيقي للعمل الحكومي تتلخص في جعل معيار الكفاءة والنزاهة والحس الوطني هو الفيصل الوحيد في تقلد المسؤوليات الحكومية بعيدا عن منطق الولاءات الضيقة.
وأيضا إعادة بناء الأحزاب السياسية عبر تطهير هياكلها وتمكين الطاقات الحية والشبابية من قيادة المشهد لتفرز نخبا قادرة على الاغنتاج الفكري والتدبيري.
كما أن بناء دولة المؤسسات الحديثة لا يتحقق بالشعارات الرنانة بل بتأسيس حكومة وطنية قوية ومنسجمة تملك الشجاعة السياسية لمواجهة الأزمات وتضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار حزبي أو سياسي ضيق، حينها فقط يمكن أن نتحدث أننا تجاوزنا العاهات السياسية نحو مشهد ديمقراطي فعال وبناء.

السابق بوست
القادم بوست
التعليقات مغلقة.