مشاورات تشكيل الحكومة المغربية.. من جس النبض إلى ملامح التحالف
بحث ومتابعة: سلوى الجيلاني بوعلي الــدار البيضــاء
تجاوز المغرب مرحلة الانتخابات ونتائجها وبدأت مرحلة أخرى لا تقل أهمية : مرحلة التفاوض السياسي حول شكل الأغلبية الحكومية المقبلة.
فبعد الجولة الأولى من المشاورات دخلت رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة ثانية تبدو أكثر دقة إذ لم يعد السؤال فقط : من يريد المشاركة؟ بل أصبح السؤال: من يستطيع أن يلتقي مع من؟ وعلى أي أساس؟
وهنا تبدأ القراءة الحقيقية للمشهد.
من المشاورات إلى التفاوض
الجولة الأولى كانت أقرب إلى جسّ النبض وفتح قنوات التواصل مع الأحزاب أما الجولة الثاني فتبدو أكثر ارتباطًا بالتحالفات الممكنة وبالبرنامج الذي يمكن أن يجمع مكونات الأغلبية المقبلة.
وقد التقت المنصوري خلال الأيام الأخيرة، بقيادات حزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كما تواصلت المشاورات مع أحزاب أخرى. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن النقاش بدأ ينتقل من مجرد إعلان الاستعداد للمشاركة إلى البحث في صيغة سياسية قابلة للتنفيذ.
وهذه النقلة مهمة لأن تشكيل الحكومة لا يقوم فقط على جمع عدد من المقاعد وإنما يحتاج إلى تفاهمات حول البرنامج وحجم المشاركة وطبيعة المسؤوليات وشكل العلاقة بين مكونات الأغلبية.
هل بدأت ملامح تحالف تتشكل؟
هنا تبرز أهم المعطيات التي ظهرت خلال الساعات الأخيرة.
فقد تحدثت مصادر صحفية عن اتجاه داخل حزب الأصالة والمعاصرة نحو صيغة تضم حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية إلى جانب حزب رئيسة الحكومة المكلفة.
وتذهب هذه المعطيات إلى أن هذه الصيغة قد تشكل أغلبية مريحة كما تتحدث عن عدم إدماج التجمع الوطني للأحرار في هذا السيناريو. لكن من المهم التمييز بين المعطى المتداول وبين الاتفاق الرسمي فما نُشر حتى الآن لا يساوي إعلانًا نهائيًا عن تركيبة الحكومة.
وفي السياسة المسافة بين “المفاوضات” و”الاتفاق” قد تكون كبيرة.
لذلك فإن القراءة الأكثر حذرًا في هذه المرحلة تقول : هناك ملامح تحالف تتبلور لكن الصورة لم تُغلق رسميًا بعد.
الكتلة الديمقراطية في قلب الحسابات
من اللافت أن أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أصبحت حاضرة بقوة في المشاورات الحالية.
وهذا يفتح الباب أمام عودة منطق التحالفات السياسية القائمة على تقارب عدد من الأحزاب بدل الاكتفاء بمنطق الحساب البرلماني الصرف.
وقد أشارت تقارير إلى أن الأصالة والمعاصرة يبحث في صيغة تقوم على التعاون مع أحزاب الكتلة، مع إضافة حزب آخر لتأمين أغلبية مريحة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط كم مقعدًا سيجمع هذا التحالف؟
بل أيضًا : هل تستطيع هذه الأحزاب أن تجد أرضية سياسية وبرنامجية مشتركة؟
فالمقاعد يمكن جمعها بالأرقام أما الحكومات فتحتاج إلى تفاهمات تستمر بعد توزيع الحقائب.
والأحرار؟ من المشاركة إلى موقع غير محسوم
التجمع الوطني للأحرار أعلن استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة وهو ما يجعل موقعه من أكثر الملفات التي تستحق المتابعة.
لكن المعطيات التي ظهرت اليوم تتحدث عن اتجاه آخر داخل المفاوضات يقوم على تشكيل أغلبية لا تضم الأحرار.
وبين الموقف المعلن للحزب وبين ما تتحدث عنه بعض المصادر حول صيغة الأغلبية تظل المسألة مفتوحة إلى حين صدور اتفاق رسمي.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات المرحلة الحالية : المفاوضات تجري في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه وما يبدو محسومًا إعلاميًا قد يظل قابلًا للتغيير سياسيًا.
الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية يدخلان المشهد
وفي تطور اليوم التقت المنصوري بالأمين العام للاتحاد الدستوري محمد جودار ثم بالأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية عبد الصمد عرشان.
واللافت أن الحزبين كانا قد اتفقا على تشكيل فريق برلماني مشترك، ما يمنح هذا التطور أهمية في قراءة المشهد البرلماني المقبل.
وهذا يعني أن خريطة التحالفات لا تزال تتحرك وأن الحديث عن صيغة واحدة نهائية ربما يكون سابقًا لأوانه.
الاختلافات.. أين يمكن أن تظهر؟
إذا كانت التفاهمات السياسية هي الوجه الأول للمفاوضات فإن الاختلافات هي الوجه الآخر.
فالاختلاف لا يعني بالضرورة انهيار التحالف لكنه قد يظهر في ثلاثة مستويات أساسية:
أولًا: البرنامج الحكومي
ما الأولويات التي ستعطيها الحكومة الجديدة للتشغيل، والقدرة الشرائية والخدمات الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية؟
ثانيًا: حجم المشاركة.
هل ستكون المشاركة الحكومية متقاربة بين الأحزاب أم سيكون هناك تفاوت كبير في عدد الحقائب والمسؤوليات؟
ثالثًا : طبيعة التحالف نفسه.
هل تقوم الأغلبية على تقارب سياسي وبرنامجي أم على ضرورة توفير العدد الكافي من المقاعد داخل البرلمان؟ وهذه الأسئلة لم تجد بعد أجوبة نهائية.
حكومة تتشكل على مراحل
اللافت في هذه المشاورات أنها لا تسير في خط واحد مستقيم هناك لقاءات ثم مواقف حزبية ثم مشاورات داخلية في الأحزاب ثم عودة إلى طاولة التفاوض.
وهذا طبيعي في مرحلة تشكيل حكومة ائتلافية خصوصًا عندما تكون هناك عدة صيغ ممكنة.
بل إن المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة نفسه فوّض المنصوري قيادة لجنة مواصلة المشاورات بعد نقاش داخلي شهد تباينًا في المواقف حول طبيعة التحالفات الممكنة.
وهذه النقطة تستحق التوقف عندها : لأنها تذكرنا بأن المفاوضات ليست فقط بين الأحزاب بل داخل الأحزاب أيضًا.
نحن أمام خريطة لم تكتمل بعد
حتى الآن يمكن القول إن المغرب انتقل من مرحلة استكشاف المواقف إلى مرحلة اختبار التحالفات.
هناك أحزاب أعلنت استعدادها للمشاركة وأخرى اختارت المعارضة، وهناك أحزاب تتفاوض وأخرى تبحث عن موقعها داخل الصيغة المقبلة.
وبين كل هذه المعطيات بدأت تظهر ملامح تحالف محتمل لكن الإعلان الرسمي وحده هو الذي سيحوّل هذه الملامح إلى حقيقة سياسية.
لذلك فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية من حيث التفاصيل :
من سيوقع الاتفاق؟
من سيغادر طاولة المفاوضات؟
ما البرنامج الذي سيجمع الأطراف؟
وكيف ستتم معالجة نقاط الاختلاف؟
هذه ليست أسئلة نظرية بل هي التفاصيل التي ستحدد شكل الحكومة المقبلة والقصة بالنسبة لنا لم تنتهِ بعد.

التعليقات مغلقة.