أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

أزمة المقاولات الصحفية الصغرى تهدد مستقبل المهنة

جريدة أصوات

لم تعد أزمة المقاولات الصحفية الصغرى والمتوسطة في المغرب مجرد حديث عابر داخل الأوساط المهنية، ولا مجرد شكوى يرددها ناشرون وصحافيون في لقاءات مغلقة، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بمستقبل الصحافة المغربية وقدرتها على الاستمرار في أداء وظيفتها المجتمعية.
فحين تصبح المؤسسة الصحفية عاجزة عن ضمان الحد الأدنى من الاستقرار المالي، وحين يجد الصحافي نفسه يعمل في ظروف هشة، وحين يتحول استمرار المنبر الإعلامي إلى معركة يومية من أجل أداء الأجور والمصاريف الأساسية، فإن الأمر يتجاوز بكثير مشاكل تدبير مقاولة بعينها، ليصبح سؤالاً مطروحاً على القطاع برمته: أي صحافة نريد؟ وأي مقاولات نريد أن تبقى؟ ومن يتحمل مسؤولية إنقاذ المؤسسات التي تكافح من أجل الاستمرار؟
ولم يعد ممكناً تجاهل حجم الهشاشة التي تعرفها أجزاء واسعة من القطاع. فقد سجلت اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، في تشخيص رسمي لوضعية المقاولة الصحفية، وجود هشاشة واضحة في بنية أغلب المقاولات، ولاسيما في الصحافة الإلكترونية، مع مشاكل مرتبطة بالضمانات المالية والاستثمار وآفاق النمو والهياكل التحريرية والإدارية. كما دعت إلى إصلاح شروط الاستثمار، وتأهيل المقاولات، وترشيد محيطها الاقتصادي والتجاري، بما فيه سوق الإشهار.

وهنا تحديداً يجب أن يتوقف الجميع الصحافة ليست مجرد مواقع إلكترونية الخطأ الكبير هو اختزال المشهد الصحفي في عدد المواقع والمنابر والعناوين الموجودة على الإنترنت وراء كل مؤسسة صحفية هناك صحافيون، مراسلون، تقنيون، مصورون، محررون، إداريون، ومستخدمون لهم التزامات اجتماعية وأسرية. وهناك مصاريف تقنية، استضافة، تجهيزات، تنقل، اتصالات، إنتاج، تحرير، تصوير، اشتراكات، ومصاريف إدارية لا تظهر للقارئ عندما يفتح هاتفه ويقرأ خبراً مجانياً.
المشكلة أن جزءاً كبيراً من الجمهور أصبح يتعامل مع المادة الصحفية وكأن إنتاجها لا يكلف شيئاً.
وفي المقابل، يجد الصحافي نفسه مطالباً بأن يكون حاضراً في كل مكان، وأن يغطي الأحداث، ويتحقق من المعلومات، ويتابع الملفات، ويتحمل تكاليف التنقل والاتصال، ثم يعود إلى مؤسسة قد لا تملك أصلاً الموارد الكافية لضمان راتب محترم ومستقر.
وهكذا تصبح المهنة دائرة مغلقة: مؤسسة ضعيفة، وموارد محدودة، وإشهار غير كافٍ، وصحافي منهك، وقارئ يريد كل شيء مجاناً.
والنتيجة الطبيعية هي مزيد من الهشاشة.
حين تصبح 100 أو 200 درهم سقفا لطموح صحافي من أقسى مظاهر الأزمة أن يتحول العمل الصحفي، بالنسبة إلى فئات من المشتغلين في القطاع، إلى بحث يومي عن مبالغ زهيدة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم المسؤولية المهنية.
صحافي يخرج إلى الشارع لتغطية حدث، يتحمل مصاريف التنقل والاتصالات، يجمع المعطيات، يحرر المادة، ويتابع نشرها، ثم يجد نفسه أمام واقع مهني لا يضمن له بالضرورة مقابلاً يحفظ كرامته.
هنا لا نتحدث عن الرفاهية نتحدث عن كرامة مهنية فالصحافي الذي نطالبه بالدقة والنزاهة والاستقلالية والتحقق من الأخبار، لا يمكن أن نضعه في الوقت نفسه في وضعية اجتماعية واقتصادية تجعله عاجزاً عن تأمين أبسط حاجياته.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذه الوضعية يفتح الباب أمام اختلالات مهنية لا ينبغي الاستهانة بها؛ لأن هشاشة الصحافي قد تجعله أكثر عرضة للضغوط والإغراءات، بينما الاستقلالية الصحفية تحتاج قبل كل شيء إلى شروط مادية ومؤسساتية تحمي صاحبها.
المشكلة ليست في الصحافي وحده من السهل جداً تحميل الصحافي مسؤولية تراجع المهنة، ومن السهل كذلك توجيه اللوم إلى ناشر يعاني من ضعف الموارد.
لكن السؤال الحقيقي أعمق من ذلك كيف يمكن بناء صناعة إعلامية قوية في ظل مقاولات هشة؟
وكيف يمكن مطالبة المؤسسات الصحفية بالاحتراف والحكامة والاستثمار في الموارد البشرية والتكنولوجيا، إذا لم تكن هناك بيئة اقتصادية قادرة على مساعدتها على الاستمرار؟
اللجنة المؤقتة نفسها أكدت أن إصلاح القطاع ينبغي أن يعطي الأولوية لوضعية المقاولة، ووضعها الاقتصادي ومواردها البشرية ومحيطها التجاري. وهذا اعتراف مؤسساتي بأن أزمة الصحافة ليست أزمة تحرير فقط، وإنما هي أيضاً أزمة نموذج اقتصادي واستدامة واستثمار المجلس الوطني للصحافة
الإشهار الحلقة الأكثر حساسية
لا يمكن الحديث عن مستقبل الصحافة دون فتح ملف سوق الإشهار بكل صراحة ومسؤولية.
فالإشهار بالنسبة إلى المؤسسة الإعلامية ليس ترفاً، وإنما أحد أهم مصادر تمويلها.
وعندما تتركز الموارد الإعلانية في عدد محدود من المنابر أو لا تصل إلى المؤسسات التي تستوفي الشروط المهنية وتستثمر في الصحافيين والمحتوى، فإن النتيجة تكون واضحة: مؤسسات قوية تزداد قوة، ومؤسسات صغيرة تزداد هشاشة.
وهنا لا بد من فتح نقاش مهني ومؤسساتي شفاف حول معايير توزيع الإشهار، وقياس الانتشار، وجودة المحتوى، وعدد العاملين، والالتزام بالتصريح القانوني، والاستثمار في الصحافة، والشفافية المالية المطلوب ليس منح امتيازات مجانية لأحدالمطلوب هو تكافؤ الفرص.
الدعم العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز دائم
إذا كان الدعم العمومي للصحافة ضرورياً في مرحلة انتقالية وصناعة إعلامية تواجه تحولات رقمية واقتصادية عميقة، فإنه ينبغي أن يكون مبنياً على قواعد واضحة وشفافة وقابلة للمراقبة.
لا نريد صحافة تعيش على الريع.
ولا نريد في المقابل صحافة تموت بسبب غياب المواكبة المطلوب هو نموذج يربط الدعم بالاستثمار الحقيقي في المؤسسة: عدد العاملين، احترام قانون الشغل، جودة المحتوى، الانتظام في الإنتاج، الحكامة، التكوين، التحول الرقمي، والالتزام بأخلاقيات المهنة.
وبذلك يصبح الدعم آلية لتأهيل المقاولة وليس مجرد تحويل مالي مؤقت يؤجل الأزمة.
المقاولة التي تشغل الصحافيين تستحق أن تسمع
هناك فرق كبير بين مؤسسة إعلامية حقيقية تستثمر في الصحافة، مهما كان حجمها، وبين مشروع إعلامي يقوم على نشاط فردي محدود.
ولهذا فإن أي سياسة عمومية جادة مطالبة بالتمييز بين مختلف النماذج، لا بهدف الإقصاء، وإنما بهدف حماية المؤسسات التي توفر مناصب الشغل وتنتج المحتوى وتتحمل تكاليف المهنة.
فإذا أغلقت مؤسسة صحفية أبوابها، لا يختفي فقط اسم من قائمة المواقع أو الصحف، وإنما يفقد صحافيون ومستخدمون مصدر دخلهم، ويخسر المجتمع صوتاً إعلامياً كان يمكن أن يساهم في النقاش العمومي.
الصحافة المستقلة تحتاج إلى حماية من الضغوط..

أيا كان مصدرها لا ينبغي أن تتحول أزمة الصحافة إلى مناسبة لتبادل الاتهامات أو صناعة خصومات جديدة بين المهنيين.
لكن في المقابل، لا يجوز أيضا تجاهل الحديث المتكرر داخل الوسط المهني عن الضغوط الاقتصادية والإشهارية والمهنية التي تواجه بعض المنابر.
وأي حديث عن وجود ممارسات إقصائية أو تأثيرات غير مشروعة يجب أن يخضع للوثائق والأدلة والمساطر القانونية، لا للشائعات.
هذه نقطة أساسية الدفاع عن الصحافة المستقلة لا يعني اتهام الآخرين دون دليل، كما أن الدفاع عن المؤسسات لا يعني إسكات الأسئلة المشروعة المطلوب هو الشفافية.
والمطلوب أن تكون القواعد واحدة على الجميع والمطلوب أن يعرف كل ناشر وصحافي لماذا حصل هذا على فرصة ولم يحصل عليها ذاك، ولماذا وصل الإشهار إلى مؤسسة ولم يصل إلى أخرى، ولماذا تستمر مؤسسة في السوق بينما تختفي أخرى.
المشهد الإعلامي يحتاج إلى مصارحة لا إلى تجميل لقد حان الوقت للخروج من لغة البيانات المنمقة والتقارير التي تنتهي في الأدراج.
المجلس الوطني للصحافة نشر بالفعل تقارير حول هيكلة المقاولات الصحفية برسم سنوات 2022 و2023 و2024، بما يسمح ببناء نقاش قائم على المعطيات بدل الانطباعات.

كما أن المعطيات المنشورة حول بطاقات الصحافة المهنية تظهر اتساع قاعدة المهنيين؛ إذ بلغ عدد الحاصلين على البطاقة المهنية لسنة 2024 ما مجموعه 3993 صحافية وصحافيا.

لكن كثرة الصحافيين لا تعني بالضرورة قوة المقاولة وهنا تكمن المفارقة يمكن أن يرتفع عدد الصحافيين بينما تبقى المؤسسات عاجزة عن توفير الاستقرار يمكن أن تتكاثر المواقع بينما يتراجع الاستثمار ويمكن أن ترتفع كمية الأخبار بينما تتراجع جودة ظروف العمل وهذا هو الخلل الذي يجب أن نواجهه دون خوف لا صحافة قوية بدون صحافي قوي

التعليقات مغلقة.