أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

غياب وزير مستقل للاتصال يثير التساؤلات هل يمكن بناء ديمقراطية قوية دون إعلام قوي؟

محمد عيدني

يثير غياب حقيبة وزارية مستقلة ومخصصة لقطاع الاتصال والإعلام ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة نقاشاً مشروعاً حول مكانة الصحافة في السياسات العمومية، ومدى حضور هذا القطاع ضمن الأولويات الحكومية، في مرحلة تواجه فيها المقاولات الصحفية المغربية تحديات اقتصادية ومهنية متزايدة. ولا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في أسماء الوزارات أو توزيع الاختصاصات، بل بسؤال جوهري يرتبط بموقع الإعلام داخل المشروع الديمقراطي، وبمدى استعداد الحكومة لتوفير الشروط الضرورية لاستمرار الصحافة المهنية، وتعزيز استقلاليتها، وحماية تعدديتها. إن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: لماذا لم تُحدث حقيبة مستقلة لوزير الاتصال؟ بل أيضاً: ما المكانة التي يحتلها الإعلام في التصور الحكومي الجديد، وما الضمانات التي ستُمنح لهذا القطاع حتى يتمكن من أداء أدواره الدستورية والمجتمعية؟ فالإعلام ليس قطاعاً ثانوياً يمكن التعامل معه باعتباره مجرد اختصاص إداري ملحق بقطاعات أخرى، بل يشكل إحدى الركائز الأساسية للحياة الديمقراطية، بالنظر إلى دوره في نقل المعلومة، ومراقبة تدبير الشأن العام، وفتح المجال أمام تعدد الآراء، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية متينة دون صحافة قادرة على الاشتغال في ظروف مهنية واقتصادية تضمن لها الاستمرار، وتمكن الصحفي من أداء رسالته باستقلالية ومسؤولية، بعيداً عن الضغوط المالية أو الإكراهات التي قد تؤثر في مضمون العمل الإعلامي.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل الصعوبات التي تواجه عدداً من المقاولات الصحفية، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والجهوية، التي تجد نفسها أمام تحديات مرتبطة بتراجع الموارد الإشهارية، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتوزيع، والتحول الرقمي، والمنافسة المتزايدة من المنصات الإلكترونية. وقد سبق للحكومة أن أعلنت عن إجراءات لدعم المقاولات الصحفية، من بينها صيغة جديدة للدعم العمومي جرى الإعلان عنها في فبراير 2026.
غير أن استمرار النقاش حول الوضع الاقتصادي للصحافة يطرح ضرورة تقييم أثر هذه التدابير، ومدى قدرتها على ضمان الاستدامة والتوازن بين مختلف مكونات القطاع. ولا يكفي أن تتوفر الدولة على برامج للدعم، بل ينبغي أن تكون هذه البرامج واضحة وشفافة، قائمة على معايير مهنية موضوعية، وتضمن تكافؤ الفرص بين المؤسسات المستفيدة، مع إيلاء اهتمام خاص للمقاولات الصغرى والجهوية التي تؤدي دوراً مهماً في نقل انشغالات المواطنين ومتابعة قضاياهم المحلية.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى إحداث حقيبة مستقلة للاتصال لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مطالبة بمنصب وزاري إضافي، بقدر ما هي دعوة إلى إيلاء الإعلام مكانة مؤسساتية واضحة، وتوفير قيادة سياسية وإدارية قادرة على الدفاع عن مصالح القطاع، وتنسيق السياسات العمومية المرتبطة به، ومواكبة التحولات التي يعرفها المشهد الإعلامي.
وفي المقابل، فإن عدم تخصيص وزارة مستقلة للاتصال لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام بالإعلام، ما دامت الاختصاصات المرتبطة به يمكن أن تُمارس داخل قطاع وزاري قائم. لكن المعيار الحقيقي سيظل مرتبطاً بمدى وضوح المسؤوليات، وفعالية القرارات، وحجم الدعم الموجه إلى الصحافة، والضمانات العملية لاستقلاليتها. إن المطلوب اليوم هو أن تقدم الحكومة تصوراً واضحاً لمستقبل الإعلام المغربي، يتجاوز التدبير الإداري اليومي نحو استراتيجية متكاملة تشمل إصلاح الإطار القانوني، وتطوير آليات الدعم، وتحسين الأوضاع الاجتماعية للصحفيين، وتشجيع الاستثمار في الإعلام الرقمي، وحماية التعددية، وتعزيز التكوين المهني، وضمان استقلال المؤسسات الإعلامية عن مختلف أشكال التأثير غير المشروع. كما أن مسؤولية النهوض بالقطاع لا تقع على الحكومة وحدها؛ فالناشرون والصحفيون والهيئات المهنية مطالبون بدورهم بتعزيز أخلاقيات المهنة، واحترام قواعد التحقق من الأخبار، وتطوير نماذج اقتصادية مستدامة، ومحاربة كل الممارسات التي تسيء إلى صورة الصحافة ومصداقيتها. إن قوة الإعلام لا تُقاس بعدد المنابر وحده، بل بقدرته على إنتاج المعلومة الموثوقة، وممارسة النقد المسؤول، وإتاحة الفرصة أمام الآراء المختلفة، وخدمة المصلحة العامة.
كما أن استقلاليته لا تتحقق بالشعارات، وإنما بإرساء بيئة قانونية ومؤسساتية واقتصادية تحمي الصحفي والمؤسسة الإعلامية من التبعية والضغط. وفي المحصلة، فإن النقاش حول غياب وزير مستقل للاتصال يفتح الباب أمام سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الصحافة المغربية ومكانتها داخل المشروع الديمقراطي.
فالإعلام القوي ليس عبئاً على الدولة، بل شريك أساسي في بناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وفي ترسيخ الشفافية وتوسيع المشاركة في الحياة العامة.
فلا ديمقراطية حقيقية دون إعلام حر ومسؤول، ولا إعلام قوي دون مقاولات صحفية قادرة على الاستمرار، وصحفيين يتمتعون بالحقوق والكرامة المهنية، وسياسات عمومية تضع استقلالية الصحافة وتعددية المشهد الإعلامي في صلب أولوياتها. ويبقى الرهان المطروح أمام الحكومة الجديدة هو تحويل هذا المبدأ إلى التزامات عملية قابلة للتقييم، حتى لا يظل دعم الإعلام مجرد شعار، بل يصبح اختياراً مؤسساتياً يعكس مكانة الصحافة في بناء مغرب أكثر انفتاحاً وشفافية وديمقراطية.

التعليقات مغلقة.