فضة في تيزنيت.ذاكرة تنبض، وهوية تُروى، وإبداع يتجدد.
بقلم: حسن هرهار
في الجنوب المغربي، حيث تتداخل رائحة الأطلس مع نسائم الصحراء، وتتمازج نبرات اللغة الأمازيغية بإيقاعات الأرض، تلمع تيزنيت كمعدن نفيس في خريطة الهوية الوطنية. إنها ليست مجرد مدينة، بل كائن حيّ من ذاكرة، تنبض بالتاريخ وتسير على قدميها، ويصوغها الحرفيون بأصابعهم في الفضة كما يصوغ الشعراء قصائدهم في وجدان الناس.
في تيزنيت، لا تُقاس الفضة بعيارها، بل بعمق دلالتها. قطعة صغيرة من حليّ قد تختصر ملحمة عائلية، أو تروي لحظة فارقة في حياة إنسان. خلخال يلتف على كاحل العروس في عرس أمازيغي ليس مجرد زينة، بل وثيقة حب أبدية تُسلم من يد الجدة إلى الحفيدة. خاتم منقوش يُهدى لامرأة في موسم الحصاد قد يحمل بركة الأرض وامتنانها. وفي كل قطعة، يتجلى الفن، وتتجسد الذاكرة.
تُعتبر الفضة في تيزنيت أرشيفًا حيًا لا يحتاج إلى رفوف أو أدراج. إنها محفوظة على الأجساد، محمولة في الأعناق، ملتفة حول المعاصم، ومُطرزة بالحكايات. هي لغة غير مكتوبة تُنقل عبر الأجيال، وتوثق لحظات الميلاد، الزواج، وأعياد النجاح والمناسبات السعيدة. كما روت إحدى نساء المدينة ذات مرة: “هذا العقد الفضي أعطتني إياه أمي يوم أنجبتُ أول أطفالي، وكان لأمي من جدتها. لا ألبسه فقط، بل أحمل معه حبهنّ، دعواتهنّ، وأمنياتهنّ الجميلة.”
في نقش الفضة، نجد الأبجدية الأمازيغية “تيفيناغ” تهمس بترانيم الهوية، وتظهر رموز الأرض والماء والشمس التي تُشكّل جوهر الخيال الجمعي الأمازيغي. وحتى طريقة توزيع الحلي على الجسد، ليست محض تزيين؛ بل هي رسائل صامتة تعلن السن، والمكانة، والانتماء. امرأة مسنّة في تيزنيت قد لا تنطق بحرف، لكنك تعرف من حليها أنها كانت عروس قبيلة عريقة، وأنها أم لأربعة أبناء، وحافظة لأسرار الحكمة القديمة.
أما الإبداع، فهو القلب الذي يُبقي هذه الحرفة حيّة. لم تكن الفضة في تيزنيت يومًا نتاج تكرار، بل ثمرة خيال وجرأة في التجريب. فالحرفي لا يكتفي بما تعلّمه، بل يترك بصمته، يبتكر، يتخيل، ويمنح للحلي روحه الخاصة. رأينا صائغًا يستلهم من سعف النخيل، وآخر يصوغ شكل الحمامة رمزًا للسلام، وثالث يدمج بين نقوش الجدات وخطوط عصرية تليق بامرأة المدن الكبرى. كل قطعة هي لقاء بين الماضي والحاضر، بين هوية ثابتة ورؤية متجددة.
وقد أنتج هذا التنوع مدارس فنية داخل تيزنيت، تُعرف أعمال كل صائغ منها بلمسة فريدة. بعض الحرفيين لا يوقعون أسماءهم على القطع، لأن الفضة تنطق عنهم. تراها، فتقول: “هذه يد السي مبارك” أو “ذاك من صنع علي”، في علاقة فنية تشبه توقيع الرسام على لوحته، أو عزف العازف على نغمته الخاصة.
ولأن الإبداع لا يليق به أن يُحبس بين جدران الورش، فقد خرج إلى الفضاء العام. مهرجان “تيميزار”، الذي تحتضنه المدينة سنويًا تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أصبح حدثًا ثقافيًا بارزًا يحتفي بالفضة التزنيتية كتراث وطني. لقد تجاوز المهرجان كونه مجرد معرض للمنتوجات الحرفية، ليصير فضاء لتكريس الهوية الجماعية، واستعراض الذاكرة الحية للمدينة، ومشاركة الإبداع المحلي مع العالم. وقد ساهم في ترسيخ مكانة الفضة التزنيتية كمنتوج فني وثقافي وسياحي، استطاع الدخول إلى الأسواق الدولية ومنصات المعاصرة، دون أن يتخلى عن روحه الأصيلة.
لكن، رغم هذا الإشعاع، تواجه الصياغة الفضية تحديات حقيقية. فبين رحيل الحرفيين القدامى دون نقل خبراتهم، وزحف التصاميم المقلدة القادمة من مصانع بعيدة، تقف تيزنيت أمام معركة من أجل الاستمرارية. فكيف نحفظ سرًا يُتعلّم بالمعايشة لا بالكتب؟ وكيف نمنع من لا يعرف “تيفيناغ” من أن يسرق شكلها ويضعه على قلادة بلا روح؟
في مواجهة هذه التحديات، تُراهن تيزنيت على أمرين: الذاكرة والإبداع. ذاكرة لا تنسى، وإبداع لا يتوقف. كما قال أحد الحرفيين القدامى قبل أن يُسلّم مطرقته لتلميذه: “الفضة مثل الماء، تتغير، لكنها لا تضيع. عليك فقط أن تعرف شكل الكأس الذي تضعها فيه.”
وهكذا، تظل تيزنيت مدينة تتلألأ كبريق الفضة التي تصوغها. ليست فقط مدينة، بل أسطورة حية تصوغ حكاية وطن، وتُجسّد هوية لا تصدأ. ففي كل خلخال، في كل خاتم، في كل سوار، تقرأ قصة، وتسمع صوتًا قادمًا من أعماق الذاكرة يقول بثقة: “نحن هنا… لم نغادر، ولن نغادر.”

التعليقات مغلقة.