أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

من حلف بغداد إلى اتفاق مكة تحولات التحالفات العربية بين منطق الأمن ورهانات المصالحة

جريدة أصوات

منذ منتصف القرن العشرين، ظلّ النظام العربي ساحةً لتجاذبات إقليمية ودولية متواصلة، تراوحت بين بناء التحالفات الأمنية لمواجهة التهديدات الخارجية، ومحاولات احتواء الخلافات البينية عبر الوساطة والمصالحة. وبين حلف بغداد سنة 1955 واتفاق مكة للمصالحة الفلسطينية سنة 2007، تتجلى تحولات عميقة في طبيعة العلاقات العربية، وفي الأدوات التي لجأت إليها الدول والقوى السياسية للتعامل مع الأزمات التي هددت استقرار المنطقة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد الانتقال من اتفاق إلى آخر، بل بمسار تاريخي يعكس التوتر المستمر بين اعتبارات الأمن القومي، والتنافس على النفوذ، ومتطلبات الوحدة السياسية، وحدود القدرة على تحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى حلول مستدامة.
حلف بغداد.. الأمن في قلب الحرب الباردة
وُقّع حلف بغداد في 24 فبراير 1955 بين العراق وتركيا، قبل أن تنضم إليه بريطانيا وباكستان وإيران. وجاء في سياق الحرب الباردة، حين سعت القوى الغربية إلى بناء منظومة أمنية تحدّ من نفوذ الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط، الذي كانت أهميته الاستراتيجية مرتبطة بموقعه الجغرافي وثرواته النفطية وطرق المواصلات الدولية.

غير أن الحلف لم يكن مجرد ترتيب عسكري، بل تحول إلى محور خلاف داخل النظام العربي. فقد عارضته مصر بقيادة جمال عبد الناصر، كما تحفظت عليه السعودية وسوريا، انطلاقا من مخاوف تتعلق بتأثيره على استقلال القرار العربي، وباحتمال تكريس اصطفافات إقليمية تخدم مصالح القوى الكبرى.

وهكذا، أظهر حلف بغداد مبكرا أن الاتفاقيات الأمنية لا تُقاس فقط بما توفره من ضمانات دفاعية، بل أيضا بمدى قبولها السياسي والشعبي، وبقدرتها على مراعاة توازنات المنطقة. فبدلا من توحيد المواقف العربية، ساهم الحلف في تعميق الانقسام بين اتجاه يدعو إلى الارتباط بالمنظومة الغربية، وآخر يرفع شعار عدم الانحياز وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي.

وقد كشفت التطورات اللاحقة هشاشة هذا الترتيب؛ إذ أدى سقوط النظام الملكي العراقي سنة 1958 إلى انسحاب العراق من الحلف، الذي تحول لاحقا إلى منظمة المعاهدة المركزية، قبل أن ينتهي رسميا سنة 1979.

اتفاق مكة.. المصالحة في مواجهة الانقسام الفلسطيني
بعد أكثر من خمسة عقود، اتخذت الدبلوماسية العربية مسارا مختلفا في مكة المكرمة، حيث رعت السعودية اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، الذي وُقّع في 8 فبراير 2007، في محاولة لوقف الاقتتال الداخلي الفلسطيني وتجاوز الأزمة السياسية التي تفاقمت بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية سنة 2006.

نص الاتفاق على وقف إراقة الدم الفلسطيني، واعتماد الحوار لحل الخلافات، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والعمل على تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وإصلاحها، إلى جانب إقرار مبدأ الشراكة السياسية والتعددية.

مثّل اتفاق مكة انتقالا من منطق الاصطفاف الأمني بين الدول إلى محاولة معالجة انقسام داخل البيت السياسي الفلسطيني. فالمشكلة هنا لم تكن مواجهة تهديد خارجي فحسب، بل أزمة ثقة وصراع على السلطة وتباين في الرؤى السياسية، في ظل ضغوط إقليمية ودولية متداخلة.

لكن الاتفاق، رغم ما حمله من آمال، اصطدم بصعوبة تحويل التوافق السياسي إلى شراكة مستقرة في إدارة المؤسسات. ففي يونيو 2007، انهارت حكومة الوحدة الوطنية بعد تصاعد المواجهات بين فتح وحماس، وسيطرت حماس على قطاع غزة، فيما اتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس خطوات لإنهاء الحكومة القائمة وتشكيل حكومة طوارئ.

وهنا تتضح إحدى الإشكاليات المركزية في التجربة العربية: فالتوافق على المبادئ لا يضمن بالضرورة الاتفاق على آليات التنفيذ، كما أن توقيع الاتفاقات لا ينهي تلقائيا الصراعات على السلطة والنفوذ، خصوصا عندما تتداخل الحسابات المحلية مع رهانات الأطراف الخارجية.
من التحالفات الخارجية إلى تسويات الداخل
عند المقارنة بين المحطتين، ينبغي الانتباه إلى اختلاف السياق والوظيفة. فحلف بغداد كان تحالفا دفاعيا ذا أبعاد دولية وإقليمية، ارتبط بتوازنات الحرب الباردة، بينما كان اتفاق مكة مبادرة للمصالحة السياسية بين فصيلين فلسطينيين، برعاية دولة عربية.

ومع ذلك، يتيح الربط بينهما قراءة عدد من التحولات في العلاقات العربية:

أولا: تغير طبيعة التحديات. في خمسينيات القرن الماضي، كان الصراع على موقع الدول العربية داخل منظومة الحرب الباردة عاملا رئيسيا في تشكيل التحالفات. أما في الحالة الفلسطينية، فقد برزت أزمة الانقسام الداخلي باعتبارها تحديا مباشرا لوحدة المؤسسات والقرار السياسي.

ثانيا: استمرار مركزية المصالح الوطنية. أظهر حلف بغداد أن الدول لا تتفق بالضرورة على تعريف موحد للتهديدات الأمنية. وأظهر اتفاق مكة أن القوى السياسية قد تتفق على ضرورة المصالحة، لكنها تختلف حول تقاسم السلطة وشروط إدارة المرحلة التالية.

ثالثا: حدود الوساطة والاتفاقات. تستطيع الوساطة فتح قنوات الحوار وتقريب المواقف، لكنها تحتاج إلى ضمانات وآليات تنفيذ ومؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومن دون ذلك، يظل الاتفاق معرضا للتعثر أمام الأزمات السياسية والأمنية.

رابعا: إشكالية الاستقلال في القرار. تظل العلاقة بين الضغوط الخارجية والخيارات الداخلية عنصرا أساسيا في فهم التحالفات العربية. غير أن تأثير الخارج لا يلغي مسؤولية الأطراف المحلية عن قراراتها، ولا يفسر وحده جميع أسباب النجاح أو الفشل.
هل تغيّر منطق السياسة العربية؟
إن الانتقال من حلف بغداد إلى اتفاق مكة لا يعني أن المنطقة انتقلت بصورة خطية من منطق المواجهة إلى منطق المصالحة؛ فالتحالفات الأمنية لم تختفِ، كما أن المبادرات التصالحية لم تصبح ضمانة لإنهاء النزاعات.

الأقرب إلى الواقع أن السياسة العربية ظلت تتحرك بين مسارين متوازيين: البحث عن ترتيبات أمنية تحمي المصالح، ومحاولة تسوية الخلافات عبر الحوار والوساطة. ويتحدد أثر كل مسار بمدى وضوح أهدافه، ومدى توافق الأطراف المشاركة عليه، وقدرتها على الالتزام بتعهداتها.

كما أن المقارنة بين التجربتين تبرز أهمية التمييز بين الاتفاق باعتباره وثيقة سياسية، والاتفاق باعتباره ممارسة يومية داخل المؤسسات. فالأول يمكن أن يُوقّع في لحظة توافق، أما الثاني فيتطلب استمرار الثقة، واحترام قواعد الشراكة، ووجود آليات لتدبير الخلافات عند ظهورها.

من حلف بغداد إلى اتفاق مكة، تتعدد السياقات وتتغير الأطراف، لكن سؤالا أساسيا يظل مطروحا: كيف يمكن بناء تفاهمات سياسية وأمنية تحمي المصالح المشتركة دون أن تتحول إلى مصدر جديد للانقسام؟

تكشف التجربتان أن الاتفاقات لا تنجح بمجرد الإعلان عنها، ولا تفشل بالضرورة بسبب اختلاف المصالح وحده؛ بل تتوقف نتائجها على طبيعة الأهداف، ومدى قبولها، وتوازن الالتزامات، ووجود إرادة سياسية مستمرة لترجمتها إلى واقع.

وبذلك، فإن الدرس الأبرز ليس المفاضلة بين التحالف والمصالحة، بل فهم شروط كل منهما. فالتحالف الذي لا يستند إلى توافق سياسي قابل للاستمرار قد يصبح موضع انقسام، والمصالحة التي لا تُترجم إلى مؤسسات وشراكة فعلية قد تتحول إلى هدنة مؤقتة. وبين هذين المسارين، تظل قدرة الأطراف على إدارة الاختلاف وصيانة استقلال القرار عاملا حاسما في تشكيل مستقبل المنطقة.

التعليقات مغلقة.