أعلنت السلطات المالية صدور عفو رئاسي عن الدبلوماسي والضابط في الاستخبارات الخارجية الفرنسية (DGSE)، يان فيزيلييه، البالغ من العمر 45 عاماً، مع اشتراط إبعاده الفوري عن الأراضي المالية، في خطوة تضع حداً لواحدة من أبرز الأزمات الأمنية والاستخباراتية بين باماكو وباريس خلال السنوات الأخيرة.
وجاء القرار بتوجيه من رئيس المجلس العسكري المالي، الجنرال عاصمي غويتا، عقب إصدار محكمة في باماكو حكماً بسجن فيزيلييه لمدة 20 عاماً، بعد إدانته بتهم تتعلق بالمساس بأمن الدولة والمشاركة في مخطط يهدف إلى زعزعة استقرار النظام الحاكم.
وأكدت السلطات المالية، في بيان لها، أن العفو لا يمحو الوقائع التي اعتبرتها المحكمة ثابتة في القضية، مشددة في الوقت ذاته على أن إجراءات المحاكمة احترمت حقوق الدفاع.
وتعود القضية إلى 14 غشت 2025، عندما أوقفت الوكالة الوطنية لأمن الدولة في مالي فيزيلييه، إلى جانب نحو عشرة من العسكريين والضباط الماليين، للاشتباه في تورطهم في مخطط لزعزعة استقرار النظام. كما وُجهت إلى الضابط الفرنسي اتهامات بالتعاون مع عناصر مرتبطة بـ”جبهة تحرير أزواد” الانفصالية، في سياق اتهامات مالية بشأن صلاتها بجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”.
ومن جانبها، رفضت باريس هذه الاتهامات بشكل قاطع، ووصفتها بأنها باطلة، مطالبة بالإفراج عن مواطنها، ومؤكدة استفادته من الحصانة الدبلوماسية باعتباره سكرتيراً ثانياً في السفارة الفرنسية، فضلاً عن أن صفته كضابط استخبارات كانت معلنة ومعتمدة لدى السلطات المالية.
وكشفت القضية، في الوقت نفسه، استمرار بعض قنوات الاتصال الأمني بين باريس وباماكو، رغم التوتر السياسي الحاد الذي طبع العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد توجه السلطات المالية نحو تعزيز شراكاتها مع روسيا وتقليص النفوذ الفرنسي في البلاد ومنطقة الساحل.
وبحسب المعطيات الواردة، كانت مجموعة محدودة من الاستخبارات الفرنسية لا تزال تقدم دعماً تقنياً لنظيرتها المالية، قبل أن يؤدي اعتقال فيزيلييه إلى تفجر الأزمة، حيث سارعت فرنسا إلى استدعاء بقية عناصر طاقمها الاستخباراتي من باماكو، كما طردت عنصرين من الاستخبارات المالية كانا يعملان في باريس.
وتوجت الأزمة بمحاكمة غيابية جرت في الخامس من يونيو، انتهت بإصدار حكم بالسجن لمدة 20 عاماً بحق فيزيلييه، في وقت لم يُحسم فيه بشكل نهائي وضع عدد من شركائه الماليين في القضية.
وفي المقابل، أفادت الحكومة المالية بأن قرار الإفراج عن الضابط الفرنسي جاء ثمرة جهود ومساعٍ حميدة بذلها “بلد شقيق”، دون أن تسميه بشكل مباشر. ورجحت مصادر مطلعة أن يكون المغرب هو الطرف المقصود، بالنظر إلى علاقاته مع كل من باريس وباماكو، فضلاً عن تجربة سابقة للرباط في وساطة ساهمت في الإفراج عن أربعة عناصر من الاستخبارات الفرنسية في بوركينا فاسو.
وشهدت الأزمة كذلك محاولات وساطة من أطراف أخرى، من بينها قطر والإمارات، إضافة إلى تدخل رئيس غانا جون دراماني ماهاما في دجنبر 2025، حيث أبلغه غويتا آنذاك بضرورة انتظار استكمال المسار القضائي قبل اتخاذ أي قرار سياسي بشأن القضية.
ويأتي الإفراج عن فيزيلييه في سياق إقليمي يشهد تراجعاً متواصلاً للنفوذ الفرنسي التقليدي في منطقة الساحل، مقابل صعود تحالفات وشراكات جديدة تنسجها المجالس العسكرية الحاكمة مع قوى دولية أخرى.
وبذلك، يفتح القرار المالي صفحة جديدة في العلاقات المتوترة بين باماكو وباريس، بعدما تحولت قضية الضابط الفرنسي إلى ملف أمني ودبلوماسي حساس، عكس عمق التحولات التي تشهدها منطقة الساحل وإعادة رسم خريطة التحالفات والنفوذ فيها.

التعليقات مغلقة.