أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

12 سنة انتظار لمستشفى بورزازات أين تكمن الأزمة الحقيقية؟

جريدة أصوات

 

 عادت قضية المستشفى الإقليمي للتخصصات بمدينة ورزازات إلى واجهة النقاش البرلماني، ولكن هذه المطرقة التي طرقتها النائبة البرلمانية عن فريق الأصالة والمعاصرة، السيدة إيمان لماوي، كانت أكثر قوة وإيلاماً.

فخلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، سلطت البرلمانية الضوء على مفارقة صارخة: 12 سنة من “الجمود غير المبرر” لمستشفى حيوي في عمق جهة درعة تافيلالت، تقابلها 14 شهراً فقط لإنجاز ملعب مولاي عبد الله بالعاصمة الرباط. هذه المقارنة ليست مجرد أرقام، بل هي ترجمة لواقع مرير يعيشه سكان المناطق النائية، حيث تتحول المشاريع التنموية إلى أحلام معلقة.

ما كشفته النائبة لا يتعلق فقط بتأخير بيروقراطي اعتيادي، بل هو إشكال أعمق يتعلق بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لمعاللة الفوارق المجالية. فالمبررات التقنية أو طبيعة التربة، التي كثيراً ما تقدمها الإدارات المعنية، لم تعد مقنعة في ظل وجود حلول هندسية جاهزة. السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان بإمكان المغرب إنجاز بنية تحتية رياضية معقدة في وقت قياسي، فلماذا يعجز على مدى عقد كامل عن إنشاء مستشفى في منطقة تحتاجه أشد الحاجة؟

الأزمة تتجاوز حجر الأساس المتعثر في ورزازات، لتصل إلى سلوك المسؤولين. فغياب تجاوب وزير الصحة مع استفسارات النواب، كتابية كانت أم شفوية، كما أشارت لماوي، يعكس ازدراءً لمبدأ المحاسبة ويفقد المواطن الثقة في مؤسساته. إن انفصال الوزراء عن الميدان، وعدم متابعتهم الملفات على أرض الواقع، يزيد من توسيع هوة التهميش ويحكم على هذه المناطق بالبقاء في دائرة الانتظار.

الوجه الآخر للأزمة يتمثل في العجز الهيكلي في الموارد البشرية الصحية. الرقم الذي ساقته البرلمانية – 4 أطباء فقط لكل 10 آلاف نسمة – هو صفعة على وجه النظام الصحي الوطني، فهو لا يبتعد فقط عن معدلات منظمة الصحة العالمية، بل هو أدنى بكثير من الحد الأدنى المقبول لإطلاق صفة “خدمة صحية”.

الحلول التي طرحتها السيدة لماوي تلامس جوهر المشكلة. فتحفيز الأطباء والممرضين مادياً ومعنوياً هو الطريق الوحيد لضمان استقرارهم في المناطق النائية. كما أن معيار الولوج إلى كليات الطب يحتاج إلى مراجعة جذرية؛ فليس المهم أن يكون الطبيب متحصلاً على معدل رقمي عالٍ فقط، بل الأهم أن يكون متسلحاً بالكفاءة الإنسانية والحس الوطني والضمير المهني. إن إعادة الاعتبار لهذه القيم في تكوين الأطباء والمدرسين هي الضمانة الحقيقية لجودة الخدمات المقدمة للمواطن، بعيداً عن النظرة الأحادية للامتحانات والمعدلات.

قصة مستشفى ورزازات ليست حالة معزولة، بل هي نموذج لأزمة حوكمة وتخطيط. إنها رسالة واضحة مفادها أن المغرب الحقيقي لا يقتصر على الرباط والدار البيضاء، وأن التنمية لن تكتمل طالما بقيت مشاريع حيوية في عمق البلاد رهينة الوعود والدراسات التي لا تنتهي. آن الأوان لتحويل الكلمات إلى أفعال، والإرادة السياسية إلى إنجازات ملموسة، قبل أن يتحول انتظار العلاج إلى حكم بالإعدام على مواطنينا في الأقاليم

التعليقات مغلقة.