“جماعة ولاد طيب بفاس.. بين الصورة الحضارية وواقع التهميش والفقر العميق”
بقلم: الأستاذ عيدني محمد، الرباط
بقلم: الأستاذ عيدني محمد، الرباط
في عالم اليوم، حيث يُروّج لروح الديمقراطية والتنمية، إلا أن الصورة التي تبرز من جماعة ولاد طيب بفاس تفضح الواقع الحقيقي الذي يعيشه السكان. فبالرغم من ادعاء الجماعة بأنها حضارية ومتقدمة، إلا أن عمق المعاناة والفقر والتهميش يكشف عن الوجه الآخر الذي يتجاهله كثيرون.
منذ اعتقال رشيد الفائق، والذي كان يُعتبر صوتًا ناصحًا وفاعلًا في الجماعة، تم تعويضه برئيس جديد، لم يطرأ على المنطقة أي تقدم أو أي مردود يذكر على حياة الساكنة. بل على العكس، فقد زادت معاناة السكان، خاصة دواوير وقرى الجوار، التي تعيش في ظل أوضاع مأساوية من الهشاشة والفقر المدقع. دواوير مثل ولاد حموا، ولاد بوعبيد، والدوار المعروف بالحشالفة، كلها تمثل نماذج حية على الإهمال والتجاهل المقصود من المسؤولين، ولم يشهد سكانها أي طفرة تنموية، بل العكس، فهم يعانون من ضعف البنية التحتية، ومن غياب أدنى شروط العيش الكريم.
لو طرقنا باب الجماعة وقلنا إننا في شارع، فسيعتقد الجميع أن الأمر طبيعي وأن الجماعة تتوفر على مشاريع حضارية. لكن، إذا غصت في عمق الجماعة واقتربت من حياة السكان، سترى الدمعة في عيون النساء والأطفال، وتسمع صرخات الفقراء الذين يجرون وراء مطالب غير ملباة. ستجد أن كل أنواع الفقر والبطالة والتهميش تجثم على صدور هؤلاء الناس، دون أن يلتفت إليهم أحد من المسؤولين، أو أن يجدوا من يُعينهم على قضاء حوائجهم أو يحرك عجلة التنمية لديهم.
السؤال الملح هو: كيف يعقل في بلد يُروج لنموذج تنموي وحديث، أن تتكرس مثل هذه الأوضاع في دواوير وقرى ذات كثافة سكانية، دون أن يكون هناك مسؤول عن ذلك؟ من يتحمل تلك الحالة من الإهمال والتفقير الذي طاول أحقّ السكان في العيش الكريم، وهم جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي المغربي؟
ألا يعتبر استمرار الأوضاع على حالها نوعًا من المسؤولية المشتركة والقصور الذي يلامس غياب الإرادة الحقيقية، وعدم وجود تقييم فعلي للأداء، والتقصير في تعزيز آليات المحاسبة والمساءلة للمسؤولين؟ في المغرب، ومع كل التحولات التي شهدها، ما زالت جدران الكثير من دواويرنا شاهدة على الفشل في تحقيق التنمية المستدامة، حيث تتكاثر حالات الفقر والتهميش وتتوسع حلقات التدهور، رغم كل الوعود rhetoric التي تُطلق بين الحين والآخر.
وفي هذا السياق، يبقى السؤال: كيف يمكن الآن محاسبة من تسبب في تدهور أوضاع سكان جماعة ولاد طيب، والمساهمة في دفعهم نحو حياة كريمة؟ وما هي الخطوات الواقعية التي يمكن اتخاذها من قبل الجماعات المحلية، والسلطات، والمجتمع المدني، من أجل القطع مع حالة الإهمال والتهميش، والتأسيس لنهضة تنموية حقيقية؟
إن الحل لا يكمن فقط في إنجاز مشاريع تنظيمية أو ترقيعات بسيطة، وإنما في استراتيجية واضحة تستهدف تحسين المرافق، وتوفير فرص عمل، وتعزيز مشاركة السكان في اتخاذ القرارات، ومحاسبة المسؤولين على مستوى كل دائرة وجماعة. فكما هو معلوم، المسؤولية الجماعية والمساءلة هما الركيزتان الأساسيتان لضمان حقوق السكان في التنمية والكرامة.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي لا بد أن نطرحه وإجابته في ذات الوقت هو: هل هناك إرادة فعلية من طرف المسؤولين والمشرفين لتحقيق تغيير حقيقي في وضعية دواوير جماعة ولاد طيب، أم أن الأمر سيظل حلماً يراود المواطنين دون أن يتحقق؟
إن مأساة الجماعة، وهي لا تختلف عن العديد من المناطق النائية، يجب أن تكون دعوة لكل المهتمين بحقوق الإنسان والتنمية، من أجل إقرار خطة تنموية جادة، تتحرك من مفهوم المسؤولية الجماعية إلى الفعل الحقيقي، الذي يقطع مع ستين سنة
الانتظار والتجاهل، ويوفر أفقًا جديدًا يعتمد على الفعل العملي والتنسيق بين مختلف الفاعلين. فالمسؤولية ليست فقط مسؤولية الدولة والسلطات، وإنما أيضًا مسؤولية المجتمع المحلي، والجمعيات المدنية، والقطاع الخاص، وكل من يعي أهمية التنمية الشاملة والعادلة.
فإعادة الثقة في مشروع تنموي حقيقي يتطلب خطوات عملية تتضمن وضع خطة تنموية واضحة ومحددة، تعتمد على التشخيص الدقيق لاحتياجات المنطقة، وتوفير التمويل اللازم لتنفيذ المشاريع، وتطوير برامج تكفل الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للسكان، خاصة الشباب والنساء، الذين يمثلون ركيزة أساسية في بناء المستقبل.
كما أن مشاركة السكان في اتخاذ القرارات هو عنصر أساسي لضمان تنفيذ البرامج التنموية بما يعبر عن تطلعاتهم واحتياجاتهم، وتحقيق التوازن بين التطور العمراني والاندماج الاجتماعي. وعليه، فالمحافظة على المصلحة العامة تتطلب وجود آليات جيدة للمراقبة والمتابعة، تضمن محاسبة المسؤولين والمتدخلين، وعدم الإفلات من العقاب عند التقصير.
وبالتالي، فإن التغيير الحقيقي لن يتحقق إلا بإرادة حقيقية لا تتوقف عند التصريحات والمبادرات الشكلية، وإنما تتجسد في أفعال على أرض الواقع تلمس حياة السكان وتعيد إليهم الأمل في غد أفضل، يكون عنوانه الكرامة والتنمية المستدامة. لذا، فالأمر يتطلب تعبئة كافة الموارد، والتصميم على إصدار قرارات جريئة، وتوفير الإرادة السياسية اللازمة لإنهاء سنوات العجز، والتأسيس لنهضة تنموية تدوم، تضمن للجميع حياة كريمة ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم المسؤولية الجماعية والوعي الوطني.

التعليقات مغلقة.