أصبح الفضاء الرقمي مجالاً مفتوحاً تتزاحم فيه الروايات أكثر مما تتزاحم فيه الحقائق. لم تعد الإشكالية الأساسية اليوم في ندرة الخبر، بل في فائضه وكثافته، إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما هو ثابت وما هو مُعاد تشكيله عبر التأويل السريع والتداول الواسع.
في هذا السياق، لم تعد الإشاعة مجرد خلل عابر في المنظومة الإعلامية، بل تحولت إلى آلية اشتغال قائمة داخل اقتصاد الانتباه، حيث تُقتطع المعطيات من سياقاتها الأصلية، وتُعاد صياغتها في قوالب استنتاجية تبدو متماسكة ظاهرياً، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى شروط التحقق العلمي أو القانوني.
وقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة تداول ادعاءات مرتبطة ببعض المسؤولين العسكريين، من بينهم أسماء تم ذكرها في سياق قراءات لمعطيات ووثائق عقارية متداولة رقمياً، دون أن تستند هذه التأويلات إلى مصادر رسمية مكتملة أو معطيات موثقة قابلة للتحقق المستقل. وهو ما يسلط الضوء على إشكالية أعمق تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة إنتاج المعلومة ذاتها في البيئة الرقمية.
خطورة هذا النوع من التداول لا تكمن فقط في مضمون الادعاء، بل في بنيته الرقمية. إذ يتم تفكيك عناصر تقنية وقانونية معقدة، ثم إعادة تركيبها داخل سرديات جاهزة، توحي باليقين بينما هي في الواقع قراءات مجتزأة. فالمفاهيم القانونية المرتبطة بالعقار، مثل الملكية المجزأة أو حق الانتفاع أو الهبة، ليست مصطلحات إنشائية، بل بنى قانونية دقيقة لا يمكن فهمها خارج الإطار التشريعي والإجرائي الذي أنتجها.
وفي المجال العقاري على وجه الخصوص، لا تُقرأ الوثائق باعتبارها صوراً ثابتة للواقع، بل كنصوص قانونية مشروطة بسياقاتها الكاملة، بدءاً من طبيعة العقد، مروراً بشروطه، وصولاً إلى آثاره القانونية. وأي إخراج لهذه العناصر من سياقها يؤدي إلى إنتاج معانٍ موازية قد لا تعكس الحقيقة القانونية بقدر ما تعكس تصوراً رقمياً لها.
كما أن الممتلكات المرتبطة بالمؤسسات العمومية، بما فيها ذات الطابع العسكري، تخضع في الأصل لمنظومات قانونية وإدارية صارمة، تقوم على مساطر توثيق ومراقبة دقيقة، تجعل أي قراءة قانونية لها رهينة بالمعطيات الرسمية المعتمدة، لا بالانطباعات أو التأويلات المتداولة على المنصات الرقمية.
غير أن الإشكال الأعمق في هذا المشهد لا يتعلق فقط بصحة المعلومة، بل بكيفية تحولها داخل الفضاء الرقمي إلى “حقيقة اجتماعية” بمجرد تكرارها وانتشارها. فالمتلقي لم يعد يكتفي باستهلاك الخبر، بل يشارك في إعادة إنتاجه وتأويله، ومنحه أبعاداً قد تتجاوز بنيته الأصلية، في سياق تتقلص فيه المسافة بين التلقي وإصدار الأحكام.
وفي المقابل، يبرز وعي رقمي متنامٍ لدى شريحة من المستخدمين، باتت أكثر حساسية تجاه مصادر المعلومات، وأكثر ميلاً إلى التحقق قبل التبني، وهو تحول تدريجي يعكس بداية انتقال من ثقافة التلقي السريع إلى ثقافة القراءة النقدية والمسؤولية المعلوماتية.
ورغم هذا التحول، يظل التحدي قائماً: كيف يمكن التوفيق بين سرعة تدفق المعلومات وضرورة التحقق منها؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار لقيمة الدقة في فضاء يكافئ الانتشار السريع أكثر مما يكافئ صحة المحتوى؟
في نهاية المطاف، تبدو مواجهة الإشاعة أقل ارتباطاً بمحتوى عابر، وأكثر ارتباطاً بنمط شامل لإنتاج المعنى داخل الفضاء الرقمي، حيث لم تعد الحقيقة تُكتشف فقط، بل تُفكك وتُعاد صياغتها باستمرار داخل دائرة مفتوحة من التفسير والتأويل، تجعل من الوعي النقدي أداة أساسية لفهم هذا التحول المتسارع.

التعليقات مغلقة.