الفلاحون يدقون ناقوس الخطر بسبب التحديات المتفاقمة
"جريدة أصوات" الرباط "الكنفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية"
اجتمع أعضاء الكنفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير) في إطار جمعها العام العادي، ويودون لفت انتباه الرأي العام الوطني إلى الواقع الذي يعيشه الفلاح المغربي والتحديات التي يواجهها بشكل يومي.
فمنذ عدة سنوات، يشهد القطاع الفلاحي الوطني ظروفا استثنائية تتسم بتوالي سنوات الجفاف، واستمرار العجز البنيوي في الموارد المائية المخصصة للسقي، والارتفاع المتواصل لتكاليف الإنتاج، ونقص اليد العاملة الفلاحية، إلى جانب التحولات العميقة التي يعرفها العالم القروي.
وفي هذا السياق، يجد الفلاحون، الذين يشكل أصحاب الاستغلاليات الصغيرة والمتوسطة غالبيتهم، سواء بالمناطق البورية أو السقوية، أنفسهم أمام مجموعة من الإكراهات المتزامنة، من أبرزها:
- تراجع الموارد المائية المخصصة للسقي، وعدم وضوح الرؤية بشأن الحصصالمخصصة للري، بما يعيق التخطيط المسبق للإنتاج ويحد من قدرة الفلاحين على اتخاذ قراراتهم الاستثمارية في الوقت المناسب؛
- الارتفاع المتواصل في أسعار المدخلات الفلاحية، من أسمدة وبذور ومنتجات لحماية النباتات والطاقة وأعلاف ومعدات فلاحية؛
- الخصاص المتزايد في اليد العاملة وارتفاع تكلفتها، خاصة خلال مواسم الجني؛
- الارتفاع المستمر لتكاليف الإنتاج والتوضيب والنقل والتسويق؛
- صعوبات الولوج إلى الأسواق وتعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك؛
- الإكراهات الجبائية، ولاسيما المرتبطة باسترجاع الضريبة على القيمة المضافة؛
- انعكاسات الواردات على التوازن الاقتصادي لعدد من السلاسل الفلاحية الوطنية.
وتؤكد الكنفدرالية أن السعر الذي يؤديه المستهلك لا يعكس بالضرورة الدخل الحقيقي الذي يتقاضاه الفلاح. ففي العديد من السلاسل الفلاحية، تظل أسعار البيع عند الإنتاج غير كافية لتغطية مجموع التكاليف التي تتحملها الاستغلاليات الفلاحية، والتي عرفت ارتفاعاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. ويبرز هذا الوضع الحاجة إلى تحيين المرجعيات المعتمدة لاحتساب تكاليف الإنتاج بشكل دوري، حتى تستند آليات المواكبة والدعم إلى المعطيات الاقتصادية الحقيقية للميدان.
كما تلفت الكنفدرالية الانتباه إلى وضعية بعض السلاسل الفلاحية الاستراتيجية على مستوى التسويق. فعلى سبيل المثال، ورغم تحسن إنتاج الحبوب خلال الموسم الفلاحي 2025-2026، فإن ظروف التسويق لا تزال، في عدد من المناطق، غير كفيلة بضمان عائد اقتصادي يغطي تكاليف الإنتاج، وهو ما يعكس الصعوبات التي تواجهها شريحة واسعة من الفلاحين في تثمين منتوجهم وضمان استدامة استغلالياتهم.
ورغم هذه الإكراهات، يظل القطاع الفلاحي ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، وللأمن الغذائي، وللتشغيل بالعالم القروي، وللتوازنات المجالية. وبهذه المناسبة، تشيد الكنفدرالية بالالتزام المتواصل للفلاحين المغاربة الذين، رغم ستة مواسم متتالية اتسمت بالجفاف وصعوبة الظرفية الاقتصادية، يواصلون تأمين تموين السوق الوطنية، والحفاظ على مناصب الشغل بالعالم القروي، والاستثمار في تحديث استغلالياتهم، وتحسين نجاعة استعمال الموارد المائية.
كما تؤكد الكنفدرالية أن آليات الدعم الموجهة للقطاع الفلاحي تندرج أساسا في إطار تشجيع الاستثمار وتحديث الاستغلاليات وتعزيز قدرتها على الصمود، ولا تشكل دعما مباشرا لدخل الفلاحين كما قد يُعتقد. كما أن مستوى الدعم العمومي الذي تستفيد منه الفلاحة المغربية يظل، مقارنة بعدد من الدول المنافسة، محدودا بالنظر إلى حجم التحديات التي يواجهها القطاع.
وتلفت الكنفدرالية كذلك الانتباه إلى ضرورة التمييز بين المهنيين الحقيقيين في القطاع الفلاحي وبين المتدخلين العرضيين أو ذوي الطابع المضارباتي، الذين قد تسيء بعض ممارساتهم إلى صورة الفلاحة المغربية. وفي هذا الإطار، تعتبر إحداث البطاقة المهنية للفلاح والكساب ورشاً ذا أولوية، لما سيمكن من تحسين تحديد هوية الفاعلين الحقيقيين وتوجيه السياسات العمومية بشكل أكثر نجاعة.
كما تؤكد الكنفدرالية على الدور المحوري الذي تضطلع به التنظيمات البيمهنية في حكامة السلاسل الفلاحية وتطويرها. فمن خلال تعزيز التشاور والتنسيق بين مختلف حلقات سلسلة القيمة، تساهم هذه التنظيمات في تحسين تنافسية السلاسل واستدامتها وتعزيز السيادة الغذائية. ومن هذا المنطلق، ترى الكنفدرالية ضرورة إشراك التنظيمات البيمهنية بشكل وثيق في القرارات المتعلقة بالاستيراد والتصدير، بما يضمن تحقيق التوازن بين الإنتاج الوطني، وتموين السوق، وتنافسية السلاسل، ومتطلبات الأمن الغذائي.
وتعرب الكنفدرالية أيضاً عن انشغالها إزاء بعض التحليلات أو التصريحات التي تختزل الفلاحة في موضوع للمزايدات أو السجالات السياسية، في حين أن القطاع الفلاحي يمثل قبل كل شيء رهانا استراتيجيا يرتبط بالسيادة الغذائية، والتشغيل، والاستثمار، واستقرار العالم القروي.
وأمام هذه التحديات، تدعو الكنفدرالية إلى تعبئة جماعية لكافة الفاعلين من أجل تعزيز صمود القطاع الفلاحي وتنافسيته، وضمان التدبير المستدام للموارد الطبيعية، وترسيخ السيادة الغذائية للمملكة على أسس مستدامة.
إن الفلاحة المغربية ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي ركيزة أساسية للأمن الغذائي، والتشغيل، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية الترابية ببلادنا.
“الكنفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية”

التعليقات مغلقة.