قالت الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب إن موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة، بمشاركة آلاف المغاربة بينهم قاصرون، ليست حدثًا معزولًا أو ظرفيًا، بل تعكس أزمة اجتماعية واقتصادية متفاقمة وتراجعًا في ثقة الشباب بالمؤسسات والسياسات العمومية، في ظل ظروف وصفتها بالخطيرة التي تهدد الحق في الحياة والسلامة الجسدية.
وأوضحت الجمعية، في بيان صادر عن مكتبها التنفيذي، أن اختزال هذه الظاهرة في بعدها الأمني يعد تجاهلًا للأسباب البنيوية التي تقف وراءها، معتبرة أن الهجرة الجماعية تمثل نتيجة مباشرة لتراكم اختلالات اقتصادية واجتماعية، من بينها ارتفاع معدلات البطالة والفقر والهشاشة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب تراجع الأمل في تحقيق العيش الكريم داخل البلاد.
واستندت الهيئة الحقوقية إلى مقتضيات دستور سنة 2011، ولا سيما الفصول المتعلقة بالحق في الشغل والتعليم والصحة والسكن اللائق، إضافة إلى الالتزامات الدولية للمغرب في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدة أن هذه النصوص تلزم الدولة بضمان الإعمال التدريجي للحقوق الأساسية من خلال سياسات عمومية فعالة تحفظ كرامة المواطنين.
وسجلت الجمعية وجود فجوة متزايدة بين الالتزامات الدستورية والواقع المعيشي، مشيرة إلى استمرار البطالة، خاصة في صفوف حاملي الشهادات، وتراجع جودة الخدمات العمومية، وانتشار اقتصاد الريع والفساد، معتبرة أن الشباب الذين خاطروا بحياتهم في محاولة الهجرة لم يكونوا يسعون إلى المغامرة، بل إلى البحث عن فرص العيش الكريم والشغل والأمل.
وفي السياق ذاته، اعتبرت الجمعية أن الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، من بينها حراك الريف واحتجاجات “جيل زيد”، شكلت مؤشرات مبكرة على حجم الاحتقان الاجتماعي، منتقدة اعتماد السلطات، بحسب تعبيرها، على المقاربة الأمنية والمتابعات القضائية بدل الحوار ومعالجة الأسباب العميقة للأزمة.
وعلى صعيد آخر، قدمت الجمعية تعازيها لأسر ضحايا الهجرة الذين فقدوا حياتهم في عرض البحر، كما استنكرت ما وصفته بالمعاملة اللاإنسانية التي تعرض لها عدد من المهاجرين من قبل السلطات الإسبانية، متهمة إياها بتركهم دون مأكل أو مشرب أثناء الاحتجاز، في مخالفة للمبادئ الدولية. كما نددت بما قالت إنه تدخل عنيف للقوات العمومية المغربية في بعض الحالات أثناء التعامل مع الشباب الراغبين في الهجرة.
وحملت الهيئة الحقوقية الدولة والحكومات المتعاقبة المسؤولية السياسية عن نتائج السياسات العمومية التي ساهمت، بحسب تقديرها، في تعميق الإقصاء الاجتماعي، داعية إلى اعتماد نموذج تنموي يضمن توزيعًا أكثر عدالة للثروة، وإطلاق حوار وطني حول قضايا الشباب والبطالة بمشاركة مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والمدنيين، بهدف وضع برامج استعجالية لتوفير فرص الشغل وتقليص الفوارق المجالية.
كما طالبت الجمعية بالإفراج عن المعتقلين على خلفية قضايا الرأي والاحتجاجات الاجتماعية، ومن بينهم النقيب محمد زيان، ومعتقلو حراك الريف، وحراك فكيك، وشباب “جيل زيد”، داعية إلى فتح صفحة جديدة تقوم على احترام الحريات العامة وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
واختتمت الجمعية بيانها بالتأكيد على أن مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة تمثل، في جوهرها، تعبيرًا عن أزمة في السياسات العمومية ورفضًا للتهميش وغياب العدالة الاجتماعية، محذرة من أن استمرار التعامل مع هذه الظاهرة بمنطق الإنكار والمعالجة الأمنية قد يؤدي إلى تفاقم اليأس وتهديد الاستقرار الاجتماعي، ومشددة على ضرورة جعل الإنسان محور السياسات العمومية لبناء دولة الحق والقانون.

التعليقات مغلقة.