أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

قلنديا.. أهداف إسرائيل تتجاوز الأمن

جريدة أصوات

تشكل العملية العسكرية الواسعة التي تنفذها القوات الإسرائيلية في مخيم قلنديا شمال القدس المحتلة حلقة جديدة في مسار التصعيد المتواصل بالضفة الغربية، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات أوسع حول الأهداف الحقيقية التي تقف وراء استهداف هذا المخيم، الذي يعد أحد أبرز رموز قضية اللاجئين الفلسطينيين وأهم المراكز السكانية الواقعة على تخوم القدس.

وتبرر إسرائيل عمليتها بأنها تستهدف ما تصفه بـ”البنى التحتية للمسلحين” ومنع تحول المخيم إلى “ملاذ للإرهاب”، مؤكدة أن الهدف هو إحباط الأنشطة المسلحة وتوسيع حرية حركة قواتها في المنطقة. إلا أن المشهد الميداني، الذي شمل فرض حظر تجول، وإغلاق المداخل، وانتشار القناصة، وعمليات دهم واعتقال واسعة، وتحويل منازل إلى ثكنات عسكرية، يعكس أبعادا تتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة.

ويكتسب مخيم قلنديا أهمية استراتيجية استثنائية بحكم موقعه الجغرافي، إذ يقع على المدخل الشمالي لمدينة القدس ويربطها بمدينة رام الله، كما يحاذي حاجز قلنديا الذي يعد أحد أهم المعابر بين القدس والضفة الغربية. ورغم وقوعه ضمن حدود بلدية القدس، فإنه يوجد خلف الجدار الفاصل، ما يجعله منطقة حساسة في الحسابات الأمنية والسياسية الإسرائيلية.

وتعتقد الأوساط الفلسطينية أن العملية الحالية تأتي في إطار مشروع أوسع لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي في محيط القدس، من خلال تشديد السيطرة على المخيمات الفلسطينية وعزلها عن امتدادها الطبيعي، بما يخدم مشاريع التوسع الاستيطاني وتعزيز ما يعرف بمشروع “القدس الكبرى”. كما ينظر إلى الضغوط المتواصلة على المخيم باعتبارها جزءا من سياسة تستهدف تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق الواقعة شمال القدس وربط المستوطنات المحيطة بالمدينة ضمن نطاق جغرافي واحد.

ولا يقتصر الأمر على البعد الجغرافي، بل يمتد إلى البعد السياسي المرتبط بقضية اللاجئين. فمخيم قلنديا يمثل أحد رموز حق العودة، ويرى مراقبون أن استهدافه ينسجم مع السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تقليص دور وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وإضعاف المؤسسات المرتبطة بها، في سياق محاولة تغيير الواقع التاريخي والقانوني للمخيمات الفلسطينية.

وتزداد المخاوف الفلسطينية مع الحديث الإسرائيلي عن تطبيق ما يسمى بـ”نموذج جنين وطولكرم ونور شمس” في مخيمات أخرى، وهو نموذج ارتبط بعمليات عسكرية واسعة شملت هدم المنازل وتهجير السكان ومنعهم من العودة لفترات طويلة، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار السيناريو ذاته في قلنديا ومخيمات أخرى بالضفة الغربية.

وفي ظل استمرار الاقتحامات والاعتقالات والإجراءات العسكرية المشددة، يبدو أن مخيم قلنديا لم يعد مجرد هدف لعملية أمنية مؤقتة، بل أصبح جزءا من صراع أوسع حول مستقبل القدس والضفة الغربية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الأهداف السياسية والجغرافية، في وقت يحذر فيه الفلسطينيون من فرض وقائع جديدة على الأرض قد يصعب تغييرها مستقبلا.

التعليقات مغلقة.