لم يعد تكوين اللاعبين الصغار في كرة القدم مجالاً مفتوحاً للاجتهادات الفردية، بعدما اتجهت الإدارة التقنية الوطنية إلى وضع إطار تنظيمي جديد يروم تأطير عمل مدارس وأكاديميات تكوين الناشئين، وتوحيد المعايير المعتمدة في هذا القطاع.
ويأتي ذلك من خلال إصدار الدليل التنظيمي الجديد الخاص بكرة القدم، الذي يحدد مجموعة من الشروط والمعايير المرتبطة بإنشاء مدارس وأكاديميات متخصصة في تكوين الأطفال والشباب، فضلاً عن وضع قواعد واضحة للاعتراف الرسمي بهذه المؤسسات ومساطر الحصول على الاعتماد.
نحو منظومة تكوين أكثر احترافية
ولا يقتصر الدليل الجديد على الجوانب الإدارية، بل يعكس توجهاً نحو الرفع من جودة التكوين وإضفاء مزيد من المصداقية على المؤسسات التي تستقبل الأطفال والشباب الراغبين في ممارسة كرة القدم وتطوير مؤهلاتهم.
وبموجب الإطار التنظيمي الجديد، تصبح ممارسة نشاط تكوين الناشئين مرتبطة باحترام مجموعة من الضوابط والمعايير، بدل الاكتفاء بمجرد إنشاء مؤسسة تحمل اسم مدرسة أو أكاديمية لكرة القدم.
ويُنتظر أن يساهم هذا التنظيم في وضع أسس أكثر وضوحاً للعمل داخل قطاع التكوين، بما يضمن توفر المؤسسات المعنية على الشروط التقنية والإدارية والقانونية اللازمة لممارسة نشاطها.
العصب الجهوية أمام مسؤولية التنزيل والمراقبة
وتبرز في هذا السياق أهمية الدور الذي ستضطلع به العصب الجهوية، باعتبارها الجهة المعنية بمتابعة تنزيل مقتضيات الدليل على أرض الواقع.
وستكون العصب مطالبة بتتبع المدارس والأكاديميات والتأكد من مدى احترامها للشروط والمعايير المحددة، إلى جانب مراقبة الجوانب التقنية والإدارية والقانونية المرتبطة بنشاطها.
كما أن نجاح منظومة الاعتماد والاعتراف الرسمي سيظل مرتبطاً بمدى وضوح وشفافية المساطر المعتمدة، حتى لا يتحول الاعتماد إلى مجرد إجراء إداري، بل إلى مؤشر حقيقي على توفر المؤسسة على مقومات التكوين السليم والاحترافي.
حماية الطفل أولوية في منظومة التكوين
ويكتسي تنظيم قطاع تكوين الناشئين أهمية خاصة بالنظر إلى الفئة العمرية المستهدفة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتعليم الأطفال المهارات الأساسية في كرة القدم، وإنما بتوفير بيئة تراعي نموهم البدني والنفسي والتربوي.
فالطفل الذي يلج مدرسة لكرة القدم يحتاج إلى تأطير متكامل يتناسب مع سنه واحتياجاته، إلى جانب التكوين الرياضي، بما يجعل مصلحته جزءاً أساسياً من أي منظومة تستهدف صناعة لاعب المستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإن توحيد المعايير يمكن أن يشكل خطوة مهمة لضمان حد أدنى من الجودة في مختلف مؤسسات التكوين، وعدم ترك مستقبل المواهب رهيناً بمستوى المؤسسة التي ينضمون إليها.
تنظيم القطاع يعزز ثقة الأسر
ومن شأن هذه الخطوة أيضاً أن تساهم في تعزيز ثقة الأسر التي تختار مدارس وأكاديميات كرة القدم لأبنائها، خصوصاً مع تنامي عدد المؤسسات الخاصة التي تنشط في مجال تكوين الناشئين.
وتحتاج الأسر إلى معطيات واضحة حول طبيعة المؤسسة التي ينضم إليها أبناؤها، والأطر التي تشرف على تكوينهم، والشروط التي تتوفر عليها، وما إذا كانت تعمل وفق معايير معترف بها.
وبالتالي، فإن وجود منظومة واضحة للاعتماد والمراقبة يمكن أن يوفر للأسر مؤشرات أكثر دقة عند اختيار المؤسسة المناسبة لأبنائها.
استثمار في مستقبل الكرة المغربية
وتندرج هذه الخطوة، وفق التوجه الذي تعكسه الإدارة التقنية الوطنية، ضمن رؤية أوسع لتطوير منظومة كرة القدم المغربية، من خلال جعل تكوين الناشئين أكثر تنظيماً ومهنية، والعمل على اكتشاف المواهب في سن مبكرة وصقلها وفق أسس تقنية وتربوية واضحة.
فصناعة اللاعب تبدأ في سن مبكرة، وما قد يبدو اليوم مجرد موهبة داخل مدرسة صغيرة يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى لاعب قادر على حمل قميص المنتخبات الوطنية.
ومن ثم، فإن تنظيم مدارس وأكاديميات كرة القدم لا يقتصر على كونه إجراءً إدارياً، بل يمثل استثماراً في مستقبل الكرة المغربية، ويضع مسؤولية مشتركة على الإدارة التقنية والعصب والمؤسسات المشرفة على التكوين، من أجل بناء بيئة تجمع بين التنظيم والشفافية وجودة التأطير.
ويبقى التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة هو ضمان التطبيق الفعلي لهذه المقتضيات، حتى يتحول الدليل التنظيمي من وثيقة تحدد القواعد إلى آلية عملية تساهم في بناء جيل جديد من اللاعبين وفق معايير تقنية وتربوية أكثر احترافية.

التعليقات مغلقة.