أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تقلبات حادة في أسواق النفط العالمية

جريدة أصوات

تقلبات حادة في أسواق النفط.. «صدمة هرمز» وتصريحات ترامب تربكان الأسعار

تواصل أسواق النفط العالمية تسجيل تقلبات حادة بعد أكثر من خمسة أشهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تداخل عوامل جيوسياسية وإمداداتية مع التصريحات المتباينة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن مستقبل النزاع وأزمة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وتأتي هذه التقلبات في وقت تحاول فيه الأسواق استيعاب تداعيات الاضطرابات التي طالت أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، إلى جانب تأثيرات الحرب على منشآت الطاقة وقدرات التكرير، ما جعل حركة الأسعار رهينة بالتطورات الميدانية والسياسية على حد سواء.

كان احتمال تعرض حركة الملاحة عبر مضيق هرمز للاضطراب يُعد منذ سنوات أحد أبرز المخاطر التي تهدد أسواق الطاقة، غير أن قدرة إيران على تقييد حركة المرور عبر هذا الممر الحيوي فاجأت الأسواق وأحدثت صدمة قوية.

وقال جيم بركهارد، رئيس أبحاث النفط الخام والطاقة العالمية لدى «إس آند بي غلوبال»، إن ما يهز السوق فعلياً هو المفاجآت، معتبراً أن إغلاق مضيق هرمز شكل «صدمة» غير متوقعة.

وعقب الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير، قفز سعر خام برنت بأكثر من 13 في المئة، قبل أن تدخل الأسعار في موجة واسعة من الصعود والهبوط مع استمرار الحرب وتوالي التطورات المتعلقة بالملاحة والإمدادات.

بدوره، اعتبر بوب ماكنالي، رئيس مجموعة «رابيدان إنرجي» ومستشار الطاقة السابق في البيت الأبيض، أن التقييد غير المسبوق لحركة الملاحة عبر المضيق كان تطوراً استثنائياً، مشيراً إلى أن الأسواق كانت تعتقد أن الولايات المتحدة لن تسمح بحدوث مثل هذا السيناريو.

وتكمن أهمية مضيق هرمز في كونه ممراً رئيسياً لنقل الطاقة، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط الخام يومياً، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة فيه قادراً على إحداث اختلال واسع في أسواق الطاقة العالمية.

ورغم أن الحرب دفعت أسعار النفط إلى الارتفاع عموماً، فإن متوسط سعر خام برنت منذ اندلاع القتال بلغ نحو 94 دولاراً للبرميل، وهو مستوى أقل بكثير من توقعات بعض الخبراء الذين رأوا أن الأسعار قد تصل إلى 150 دولاراً في ظل اتساع نطاق الأزمة.

ويُعزى ذلك، في جانب منه، إلى تفاعل الأسواق مع التصريحات المتناقضة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن التوصل إلى حل لأزمة مضيق هرمز بات قريباً.

وساهمت هذه التصريحات في الحد من ارتفاع الأسعار، إذ أصبح المستثمرون يراهنون على إمكانية انتهاء الأزمة في وقت قريب، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى تراجعات حادة في أسعار النفط.

ويرى ماكنالي أن السوق ما زال يعتقد بأن الأزمة يمكن أن تنتهي قريباً، مشيراً إلى أن التصريحات المتفائلة لترامب ومسؤولين في إدارته، من بينهم وزير الخزانة سكوت بيسنت، دفعت الأسعار إلى الانخفاض في مناسبات عدة، وألحقت خسائر بالمتعاملين الذين راهنوا على استمرار ارتفاعها.

كما أدى تكرار هذه التحركات إلى تراجع شهية بعض المستثمرين للمراهنة على صعود النفط، لتصبح السوق أكثر اعتماداً على التداولات الخوارزمية التي تتفاعل بسرعة مع العناوين والتصريحات السياسية.

وبحسب محللي «جي بي مورغان تشيس»، أدى إغلاق مضيق هرمز إلى خفض حجم الإمدادات بنحو 12.6 مليون برميل يومياً، ما فرض ضغطاً كبيراً على السوق العالمية.

لكن تداعيات النقص جرى تخفيفها جزئياً بفضل انخفاض واردات الصين من النفط الخام، إلى جانب اللجوء إلى المخزونات التجارية والحكومية لتعويض جزء من الإمدادات المفقودة.

كما ساهم ارتفاع الإنتاج في عدد من الدول، بينها الولايات المتحدة وكندا والبرازيل، في توفير كميات إضافية، فيما أعاد بعض منتجي النفط في الشرق الأوسط توجيه جزء من شحناتهم بعيداً عن مضيق هرمز.

هذه الإجراءات ساعدت على الحد من صدمة الإمدادات ومنع الأسعار من الوصول إلى المستويات التي كان يتوقعها بعض المحللين في بداية الأزمة.

ولا تقتصر تداعيات الحرب على سوق النفط الخام، إذ يواجه قطاع المنتجات النفطية المكررة ضغوطاً متزايدة، خصوصاً البنزين والديزل.

ويرى بركهارد أن المشكلة الأكبر تتمثل حالياً في المنتجات المكررة، موضحاً أن النفط الخام متوافر عموماً بكميات كافية، في حين تواجه الأسواق نقصاً في طاقة التكرير.

وقد تضاعفت أسعار الديزل مقارنة بمستويات فبراير، بينما ارتفعت أسعار البنزين بنحو 50 في المئة، في ظل استمرار الطلب القوي وتعطل عدد من المنشآت والمنشآت التكريرية نتيجة الهجمات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.

كما ساهمت الهجمات الأوكرانية في توقف عدد من المصافي الروسية عن العمل، الأمر الذي زاد الضغط على سوق المنتجات النفطية المكررة.

وفي ظل استمرار الطلب على المنتجات النفطية وتراجع طاقات التكرير المتاحة، سجلت هوامش أرباح المصافي مستويات تاريخية، ما انعكس بشكل مباشر على أداء شركات النفط الكبرى.

وحققت هذه الشركات مكاسب ضخمة خلال الربع الثاني، مستفيدة من ارتفاع هوامش التكرير ومن استمرار الطلب على المنتجات النفطية، رغم الاضطرابات التي شهدتها أسواق الخام.

وهكذا، أصبحت أسواق النفط أمام معادلة معقدة تجمع بين صدمة جيوسياسية غير مسبوقة في مضيق هرمز، ومحاولات لتعويض نقص الإمدادات، وضغوط متزايدة على قطاع التكرير، فضلاً عن تأثير التصريحات السياسية على قرارات المستثمرين، ما يجعل اتجاه الأسعار خلال المرحلة المقبلة مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار الحرب وإمكانية التوصل إلى تسوية تنهي أزمة الملاحة في المنطقة.

التعليقات مغلقة.