تدخل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات السياسية مع التطورات الميدانية المتسارعة في جنوب لبنان، في ظل صعوبات تعترض الانتقال من التفاهمات النظرية إلى خطوات عملية على الأرض.
وفي هذا السياق، سلط تقرير لمراسل الجزيرة من بيروت جوني طانيوس الضوء على أبرز التعقيدات التي تحيط بهذا المسار، خصوصاً بعد اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني جوزيف عون بالجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، بحضور السفير الأميركي، لبحث آليات تنفيذ «اتفاق الإطار» الذي تم التوصل إليه بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل.
ويأتي اللقاء في وقت تبدو فيه المفاوضات أمام حالة من المراوحة، إذ لا تزال ملفات أساسية مرتبطة بتنفيذ الاتفاق بحاجة إلى حسم، وعلى رأسها آليات التحقق والمراقبة، وترتيبات انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية، إضافة إلى الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المعنية بالاتفاق.
ويشمل «اتفاق الإطار» ترتيبات تتعلق بتنفيذ منطقتين تجريبيتين، بما يتضمن انسحاباً إسرائيلياً وانتشاراً للجيش اللبناني، إلى جانب ترتيبات أمنية مرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. كما يتضمن الاتفاق آليات للتحقق من تنفيذ البنود المتفق عليها.
وتبرز آلية التحقق باعتبارها واحدة من أكثر النقاط حساسية في المفاوضات، خصوصاً في ظل الخلاف بشأن الجهة التي ستتولى مراقبة تنفيذ الالتزامات. وكانت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» مطروحة للاضطلاع بهذا الدور، غير أن إسرائيل أبدت اعتراضات على وجودها، ما دفع إلى البحث عن صيغة أخرى تقوم على إشراك طرف ثالث في آلية المراقبة والتحقق.
وفي موازاة التحرك الدبلوماسي، لا تزال التطورات الميدانية في جنوب لبنان تلقي بظلالها الثقيلة على المسار التفاوضي. فقد واصلت إسرائيل عمليات القصف والتدمير في عدد من البلدات الجنوبية، في وقت أعلن فيه الجيش اللبناني أن الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل استكمال انتشاره وعودة السكان إلى مناطقهم.
وتزيد هذه التطورات من صعوبة تثبيت أي تفاهم سياسي، إذ يحاول الجانب اللبناني الدفع باتجاه احترام سيادته وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية، بينما تربط إسرائيل خطواتها الأمنية بما تعتبره ضمانات لحماية حدودها ومنع أي تهديد من الأراضي اللبنانية.
وفي هذا الإطار، تأتي زيارة الجنرال جوزيف كليرفيلد إلى بيروت بعد محادثات أجراها في إسرائيل الأسبوع الماضي، في محاولة لتقريب وجهات النظر والبحث عن آليات تنفيذية تسمح بتجاوز العقبات القائمة. وقد التقى كليرفيلد أيضاً قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لبحث ترتيبات الاتفاق والصعوبات الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية.
ويبدو أن نجاح المرحلة المقبلة لن يتوقف فقط على الاتفاق السياسي، بل على قدرة الأطراف على التوافق بشأن تفاصيل التنفيذ، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وآليات المراقبة، وضمان عدم تجدد التصعيد على الحدود.
وبينما تسعى واشنطن إلى لعب دور الوسيط والضامن لهذا المسار، يبقى الرفض الإسرائيلي لبعض الترتيبات، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية في الجنوب، أبرز العوامل التي تهدد بإبقاء المفاوضات في دائرة المراوحة.
وهكذا، يجد «اتفاق الإطار» نفسه أمام اختبار حقيقي: فنجاحه يتطلب الانتقال من مرحلة التفاهمات العامة إلى إجراءات ميدانية واضحة وقابلة للتنفيذ، في حين أن استمرار التوتر العسكري والخلاف حول آليات التحقق قد يجعل الطريق نحو تسوية أكثر شمولاً بين لبنان وإسرائيل محفوفاً بعقبات سياسية وأمنية كبيرة.

التعليقات مغلقة.