أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

أراضي الجماعات السلالية.. الداخلية تحسم جدل الإقامة

"جريدة أصوات" بقلم: الإعلامي المتخصص "محمد عيدني" الرباط

تتجه قضية أراضي الجماعات السلالية بالمغرب نحو محطة جديدة من الإنصاف، بعد المعطيات المتداولة بشأن صدور دورية وزارية جديدة عن وزارة الداخلية تعالج الإشكالات المرتبطة بشرط الإقامة، وهو الشرط الذي أثار، منذ إدراجه ضمن معايير إعداد لوائح ذوي الحقوق، نقاشا واسعا بسبب تأثيره على عدد من أفراد الجماعات السلالية، خصوصا النساء والمتزوجات والعاملين خارج مناطقهم الأصلية وأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

ويكتسي هذا المستجد أهمية خاصة، لأن الجدل حول شرط الإقامة لم يكن وليد اليوم، بل سبق أن وصل إلى البرلمان، حيث سجلت أسئلة برلمانية أن تطبيق المرسوم رقم 2.19.973 المرتبط بالقانون رقم 62.17 أدى إلى إقصاء عدد من السلاليين والسلاليات غير المقيمين في تراب الجماعة التي ينتمون إليها، رغم ارتباطهم بها من حيث الأصل والانتماء.

 

وتأتي أهمية الدورية الجديدة، وفق المعطيات التي توصلت بها الجريدة، من كونها ترمي إلى وضع حد للتأويلات المتباينة التي رافقت تطبيق شرط الإقامة، وفتح الباب أمام معالجة وضعيات ظلت عالقة لسنوات، خاصة بالنسبة إلى النساء السلاليات اللواتي غادرن مناطقهن بسبب الزواج أو الدراسة أو العمل، وكذا بالنسبة إلى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

ويشكل هذا التطور، في حال تأكدت مضامين الدورية كما يتم تداولها، خطوة مهمة في اتجاه تكريس مبدأ المساواة بين النساء والرجال داخل الجماعات السلالية، وعدم تحويل الإقامة إلى وسيلة لإسقاط الانتماء أو حرمان ذوي الحقوق من حقوقهم المرتبطة بجماعتهم الأصلية.

وكان موضوع شرط الإقامة قد أثار بالفعل نقاشا قانونيا وحقوقيا واسعا، بعدما اعتبر من طرف عدد من المتابعين والفاعلين سبباً في إقصاء أشخاص غادروا مناطقهم لاعتبارات مهنية أو اجتماعية أو أسرية، دون أن يعني ذلك بالضرورة انقطاع صلتهم بجماعاتهم السلالية. كما أظهرت مناقشات برلمانية أن هذا الموضوع أصبح من القضايا التي تتطلب معالجة أكثر دقة بما ينسجم مع روح القانون ومبدأ عدم التمييز.

 

وتكتسب قضية المرأة السلالية تحديدا بعدا خاصا، بعدما أصبح حضورها في النقاش حول الأراضي الجماعية مرتبطا بمسار إصلاحي أوسع يرمي إلى إنهاء ممارسات التمييز التي كانت تطبع تدبير بعض الأراضي الجماعية. وقد نص القانون رقم 62.17 على حقوق لأعضاء الجماعات السلالية ذكورا وإناثا، فيما أكدت مصادر قانونية ومؤسساتية أن الإناث يتمتعن، من حيث الأصل، بحقوق الانتفاع شأنهن شأن الذكور وفق الشروط والضوابط القانونية.

وهنا لا يمكن فصل هذا المسار عن التوجيهات الملكية التي دفعت نحو إصلاح منظومة الأراضي الجماعية وتعزيز استفادة النساء السلاليات من حقوقهن، وهي توجيهات جعلت قضية المرأة داخل الجماعات السلالية جزءا من ورش أوسع للعدالة الاجتماعية والمساواة.

 

وتبرز أهمية هذا الورش أكثر عندما نستحضر أن الأراضي الجماعية ليست مجرد أوعية عقارية، وإنما تمثل بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر مورداً اقتصادياً واجتماعياً، وترتبط بتاريخ الجماعات وامتدادها العائلي والمجالي.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تأويل قانوني أو إداري يؤدي إلى إقصاء أشخاص من ذوي الحقوق يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، حتى لا يتحول معيار تنظيمي إلى سبب في قطع علاقة قانونية واجتماعية قائمة بين الفرد وجماعته الأصلية.

وفي هذا السياق، تبرز أيضا المجهودات التي قامت بها مجموعة أصوات في تناول ملف الأراضي السلالية، خصوصا في منطقة فاس وجماعة أولاد الطيب، حيث حاولت الجريدة، من خلال عدد من المواد والتغطيات، إبقاء هذا الملف ضمن دائرة النقاش العمومي، ونقل انشغالات المواطنين، والتعريف بالإشكالات التي تواجه ذوي الحقوق، مع التأكيد على ضرورة احترام القانون وضمان الشفافية والإنصاف.

 

ولم يكن تناول جريدة أصوات لهذا الملف مرتبطا فقط بالمشاكل الآنية، وإنما انطلق من قناعة بأن الأراضي السلالية قضية وطنية تتطلب الإعلام المسؤول، لأن تدبيرها يمس مصالح فئات واسعة، ويحتاج إلى وضوح في المعلومة، وتطبيق موحد للقواعد، وإبعاد الملف عن التأويلات الشخصية والاجتهادات التي قد تختلف من جماعة إلى أخرى.

وتبرز جماعة أولاد الطيب بفاس ضمن المناطق التي تستحق مواصلة المتابعة الإعلامية، بالنظر إلى أهمية الرصيد العقاري السلالي بالمنطقة، وما يرتبط به من انتظارات لدى السكان وذوي الحقوق، خصوصاً في ظل التحولات العمرانية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة.

لقد ظلت جريدة أصوات تؤكد في تناولها لهذا الملف أن الحل لا يكمن في خلق صراعات بين ذوي الحقوق أو بين السلاليين ونواب الجماعات، وإنما في تطبيق القانون بشكل واضح وشفاف، وفي جعل المؤسسات المختصة مرجعاً للحسم في الملفات، مع ضمان حق المواطن في المعلومة وفي التظلم وفي اللجوء إلى القضاء عند الاقتضاء.

 

واليوم، تأتي المعطيات الجديدة حول الدورية الوزارية لتعيد الأمل إلى فئات ظلت تنتظر معالجة وضعيتها، خصوصاً أولئك الذين وجدوا أنفسهم خارج مناطقهم الأصلية بسبب ظروف الحياة، دون أن يعني ذلك التخلي عن انتمائهم إلى جماعاتهم السلالية.

وإذا كانت الدورية فعلا قد وضعت حدا للتأويلات التي ارتبطت بشرط الإقامة، فإن التحدي المقبل سيكون في حسن تنزيلها على أرض الواقع.

فالقانون مهما كان متقدما، يبقى بحاجة إلى تطبيق موحد وعادل، كما أن الدورية الإدارية لا تحقق أهدافها إلا إذا وصلت مضامينها بوضوح إلى السلطات المحلية والنواب وذوي الحقوق، وأصبحت المعايير نفسها مطبقة على الجميع.

 

وتبرز هنا مسؤولية وزارة الداخلية في مواكبة عملية التنزيل، خصوصا أن الملف يرتبط بملايين الهكتارات وبمصالح اجتماعية واقتصادية واسعة، ما يجعل أي ارتباك في التطبيق قابلاً لإنتاج نزاعات جديدة.

ويحمل تدخل وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، من خلال الجهاز الإداري المختص، دلالة مهمة على أن الملف أصبح يحتاج إلى معالجة مركزية تضع حداً للتفاوت في التأويل، وتضمن توحيد الممارسة بين مختلف الجماعات السلالية.

فالمرحلة المقبلة لا ينبغي أن تكون مرحلة دوريات فقط، وإنما مرحلة وضوح إداري ومساواة فعلية وشفافية في إعداد اللوائح وتدبير الحقوق.

ومن بين النقاط التي تكتسي أهمية كبيرة في هذا السياق ما يتعلق بإشهار اللوائح وتمكين ذوي الحقوق من الاطلاع عليها. فكلما كانت المعلومة متاحة، أصبح من السهل على المواطن معرفة وضعيته القانونية وممارسة حقه في الاعتراض أو التظلم وفق المساطر المعمول بها.

 

وهذا المبدأ من شأنه أيضا أن يحد من الاجتهادات الفردية، ويجعل تدبير الأراضي السلالية أكثر شفافية، ويقلل من فرص النزاع بين أفراد الجماعة.

كما أن الرقمنة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في هذه المرحلة، من خلال توفير قواعد بيانات محينة، وإتاحة المعلومات القانونية والإدارية بشكل واضح، وتسهيل تتبع الملفات، بما يساعد على بناء علاقة أكثر ثقة بين الإدارة وذوي الحقوق.

ولا ينبغي أن ينتهي النقاش بمجرد معالجة شرط الإقامة، لأن إصلاح منظومة الأراضي السلالية يحتاج إلى مواصلة العمل على قضايا أخرى مرتبطة بالتمليك والانتفاع والتدبير والشفافية وحماية الوعاء العقاري وتشجيع الاستثمار وفق القانون.

وقد عرف الإطار القانوني للأراضي السلالية إصلاحات مهمة منذ سنة 2019، من بينها القانون رقم 62.17 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعات السلالية وتدبير أملاكها، والقانون رقم 63.17 المتعلق بالتحديد الإداري لأراضي الجماعات السلالية، وهو ما شكل جزءا من إعادة تنظيم هذه المنظومة القانونية.

لكن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بصدور النصوص، وإنما بمدى شعور المواطن بنتائجها على أرض الواقع.

واليوم، يمكن أن تشكل معالجة شرط الإقامة خطوة جديدة في هذا الاتجاه، خصوصا إذا انتهت فعلا إلى توسيع دائرة الإنصاف ومنع إقصاء ذوي الحقوق بسبب ظروف العمل أو الزواج أو الهجرة أو الاستقرار خارج الجماعة.

 

إن المرأة السلالية ليست ضيفة على أرض جماعتها، والعامل خارج المنطقة ليس بالضرورة فاقداً لانتمائه، والمغربي المقيم بالخارج لا يفقد جذوره لمجرد أنه اختار بناء مستقبله خارج الوطن.

ومن هنا، فإن أي إصلاح يربط الحقوق بالانتماء القانوني الحقيقي، ويضع معايير موضوعية وموحدة، يمكن أن يعزز الثقة في المؤسسات ويغلق أبوابا واسعة للنزاع.

وتبقى جماعة أولاد الطيب بفاس نموذجا يستحق مواصلة المتابعة، ليس فقط لرصد المشاكل، وإنما أيضاً لمراقبة كيفية تنزيل أي مستجد قانوني أو إداري جديد، ومدى استفادة ذوي الحقوق منه، رجالا ونساء، وفق المقتضيات المعمول بها.

لقد كان الإعلام حاضرا في هذا الملف، وكانت مجموعة أصوات من بين المنابر التي اختارت أن تجعل الأراضي السلالية موضوعاً للنقاش العمومي، لا مادة موسمية تظهر عند وقوع الخلافات فقط.

واليوم، ومع هذه البشرى التي ينتظر أن تضع حدا لجزء مهم من الجدل، يبقى الأمل أن تتحول مضامينها إلى ممارسة يومية يشعر بها المواطن في الجماعة والقيادة والعمالة، وأن يصبح الإنصاف قاعدة ثابتة لا استثناء.

 

فالأرض السلالية ليست مجرد عقار، وإنما ذاكرة وانتماء وحقوق وانتظارات اجتماعية.

وإذا كان الإصلاح قد بدأ منذ سنوات، فإن معالجة شرط الإقامة يمكن أن تكون محطة مهمة في استكمال هذا المسار، خصوصا إذا اقترنت بالشفافية والمساواة وحسن التطبيق.

اليوم، تنتظر السلاليات والسلاليون أن تتحول هذه البشرى الإدارية إلى واقع ملموس، وأن تكون المرحلة المقبلة عنوانا للإنصاف، وتكافؤ الفرص، وصيانة حقوق جميع ذوي الحقوق دون تمييز.

التعليقات مغلقة.