مهرجان الظاهرة الغيوانية بمراكش يحتفي بذاكرة الفن المغربي
"جريدة أصوات" متابعة - المصطفى الوداي "مراكش"
أسدل الستار بمدينة مراكش، مساء الأحد الماضي 9 غشت 2026، على فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني للظاهرة الغيوانية، التي احتضنها مسرح الهواء الطلق بالمحاميد على مدى أربعة أيام، من 6 إلى 9 غشت، في موعد فني وثقافي رسخ حضوره ضمن أبرز المحطات المخصصة للاحتفاء بذاكرة الأغنية الغيوانية المغربية.
وواصل المهرجان، بعد أربعة عشر دورة، أداء رسالته في الحفاظ على الذاكرة الغيوانية وإعادة الاعتبار للأسماء التي أسهمت في صناعة هذا اللون الموسيقي، الذي ارتبط منذ سبعينيات القرن الماضي بقضايا المجتمع المغربي وانشغالات فئات واسعة من المغاربة، مستلهما التراث المحلي في الإيقاع واللغة والآلات والتعبير.
ومنذ انطلاق الدورة الأولى، اختار مدير المهرجان الفنان عبد الحفيظ البناوي جعل التكريم والوفاء لرواد الظاهرة إحدى الركائز الأساسية للتظاهرة، حيث احتفى المهرجان عبر دوراته بعدد من الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الأغنية الغيوانية، من بينها الراحل حسن مفتاح، وسكينة الصفدي من مجموعة جيل جيلالة، ومحمد بختي أحد مؤسسي مجموعة المشاهب، والشاعر والزجال محمد شهرمان صاحب رائعة «العيون عينية»، إلى جانب عمر السيد عضو مجموعة ناس الغيوان، والشادلي ومحمد حمادي عضوي مجموعة المشاهب، فضلاً عن أسماء أخرى ساهمت في ترسيخ هذه التجربة الفنية.

وكرس المهرجان هذا التقليد خلال دورته الرابعة عشرة، باختيار عضو مجموعة لرصاد الفنان محمد الغرباوي، الملقب بـ«مومود»، ليكون عريس الدورة، في التفاتة احتفائية بمساره الفني وإسهامه في مسيرة الأغنية الغيوانية.
وعرفت الدورة مشاركة عدد من المجموعات والأسماء المرتبطة بتاريخ هذا اللون الموسيقي، في مقدمتها مجموعة جيل جيلالة بقيادة قيدومها عبد الكريم القصبيجي، إلى جانب مجموعة لرصاد والمجموعتين المنبثقتين عن الانقسام الذي عرفته المجموعة، فضلا عن «ألوان» و«لمشاهب»، ومجموعات أخرى وفنانين شباب، إضافة إلى الفنانة التطوانية حسناء ماك.
ولم يكن الحضور الجماهيري أقل أهمية من البرنامج الفني، إذ امتلأت مدرجات مسرح الهواء الطلق بالمحاميد بعشاق الأغنية الغيوانية، فيما ظلت أعداد أخرى خارج فضاء العروض، في مشهد يعكس استمرار حضور هذا اللون الموسيقي في وجدان الجمهور المغربي، ويؤكد أن الحديث عن أفول الظاهرة لا يعكس بالضرورة حجم ارتباط الجمهور بها.
غير أن النجاح الجماهيري أعاد في الوقت نفسه إلى الواجهة إشكالية الفضاءات الثقافية بمدينة مراكش، خاصة أن المسرح الملكي الذي احتضن في دورات سابقة جانبا من فعاليات المهرجان لم يعد متاحاً بسبب أشغال التأهيل، بينما لا تزال أشغال مسرح دار الثقافة ممتدة زمنيا، ما دفع تظاهرة تستقطب آلاف المتابعين إلى البحث عن فضاء بديل.

وسبق أن أثارت الدورات الماضية النقاش نفسه بشأن ملاءمة الفضاءات المتاحة لحجم الجمهور الذي يستقطبه المهرجان، وهو ما يطرح سؤالا أوسع حول موقع البنيات الثقافية في مدينة بحجم مراكش، التي تستقبل أعدادا كبيرة من الزوار وتحتضن على مدار السنة العديد من التظاهرات الفنية والثقافية.
ويأتي هذا النقاش في وقت تمكن فيه المهرجان الوطني للظاهرة الغيوانية، منذ انطلاقته سنة 2011، من الاستمرار لأربعة عشر عاما رغم الإكراهات المرتبطة بالدعم والإمكانيات المالية والتنظيمية، وهو ما يجعل الحفاظ على هذا الموعد الفني في حد ذاته تجربة تستحق التوقف عندها.
كما تجاوز المهرجان تدريجيا تنظيم السهرات الفنية، ليتحول إلى فضاء للاحتفاء برواد الظاهرة وتوثيق جزء من ذاكرتها، وخلق صلة بين الجيل الذي عايش بروز المجموعات الغيوانية في سبعينيات القرن الماضي والأجيال الجديدة التي اكتشفت هذا اللون الموسيقي من خلال المهرجان.
وتكمن أهمية هذه التجربة أيضا في تعاملها مع الظاهرة الغيوانية باعتبارها جزءا من الذاكرة الثقافية المغربية، وليس مجرد مادة للفرجة، وهو ما ساعد على استمرار حضورها واستقطاب جمهور يتجاوز مراكش إلى مدن مغربية أخرى ومغاربة العالم، بحسب ما تعكسه المتابعات المرتبطة بالمهرجان.
وبذلك، يبرز رهان آخر أمام التظاهرة، يتمثل في الانتقال من مجرد إعادة تقديم الأغاني التي صنعت أمجاد الظاهرة إلى تشجيع الأجيال الجديدة على إنتاج نصوص وألحان تستلهم روح التجربة وتستجيب في الوقت نفسه لأسئلة العصر، حتى يظل التراث حيا ومتجددا بدل أن يتحول إلى مجرد ذاكرة مرتبطة بالماضي.
وتؤكد تجربة المهرجان، إلى جانب ظهور تظاهرات أخرى تهتم بالأغنية الغيوانية في مدن مغربية مختلفة، أن هذا اللون الموسيقي لا يزال قادرا على إثارة الاهتمام، وأن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط باستعادة الماضي، وإنما يمتد إلى البحث عن مستقبل الظاهرة وقدرتها على التجدد والاستمرار.
ومن هذا المنطلق، يطرح نجاح الدورة الرابعة عشرة والحضور الجماهيري الذي رافقها ضرورة فتح نقاش جدي حول مستقبل المهرجان، بما يضمن له فضاءً يليق بجمهوره وإمكانيات تنظيمية ومالية أكثر استقراراً، وبرنامجا يجمع بين الوفاء للرواد وتشجيع المواهب الجديدة.
وقد نظمت الدورة بشراكة مع المجلس الجماعي لمدينة مراكش، وبدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل ومجلس جهة مراكش-آسفي، وهو دعم يعكس أهمية التظاهرة، لكنه يفتح في المقابل النقاش حول إمكانية الانتقال من دعم يرتبط بكل دورة على حدة إلى شراكة مؤسساتية مستدامة تمنح المهرجان رؤية أوضح واستقرارا أكبر.
وبين ذاكرة سبعينيات القرن الماضي ورهان المستقبل، يظل مهرجان الظاهرة الغيوانية بمراكش واحدا من المواعيد التي تساهم في إبقاء هذا الموروث الموسيقي حاضرا في المشهد الثقافي المغربي، فيما يبقى التحدي الأكبر هو توفير الظروف التي تسمح له بالانتقال من مرحلة مقاومة الاستمرار من دورة إلى أخرى إلى مرحلة تخطيط ثقافي مستدام يحفظ الذاكرة ويفتح المجال أمام التجديد.

التعليقات مغلقة.