أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

الأمن السيبراني.. جبهة جديدة لحماية المملكة ومسؤولية وطنية تتقاسمها الدولة والمجتمع

"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني"

أصبح الفضاء الرقمي اليوم امتدادا حقيقيا للمجالات الحيوية التي تقوم عليها الدول، ولم تعد التحديات التي تواجه أمن البلدان مرتبطة فقط بالحدود الجغرافية أو بالمخاطر التقليدية، بل انتقلت بشكل متسارع إلى عالم رقمي مفتوح، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية والإعلامية، وتتحول فيه المعلومة إلى أداة تأثير قد تكون أقوى من أي وسيلة تقليدية.
وفي ظل هذا التحول المتسارع، يفرض الأمن السيبراني نفسه باعتباره أحد المكونات الأساسية للأمن الوطني، خصوصاً بالنسبة إلى المملكة المغربية التي راكمت خلال السنوات الماضية تجربة مهمة في تطوير قدراتها الرقمية، وحماية بنياتها التحتية، وتعزيز جاهزية مؤسساتها أمام المخاطر التي تفرضها الثورة التكنولوجية المتسارعة.
ولم يعد الخطر السيبراني مقتصرا على محاولات اختراق الأنظمة المعلوماتية أو سرقة البيانات، وإنما أصبح أكثر تعقيداً وتشعباً، إذ يمكن أن يأخذ شكل حملات تضليل منظمة، أو انتحال للهوية الرقمية، أو نشر محتويات مفبركة، أو توظيف حسابات ومنصات إلكترونية للتأثير في الرأي العام، أو محاولة المساس بثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ومصداقيتها.

وهنا تبرز أهمية الوعي الوطني، لأن المعركة الرقمية لا تحسم بالتقنيات والبرمجيات وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى مجتمع يمتلك القدرة على التمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة المضللة، وبين النقد المشروع والحملات المنظمة، وبين حرية التعبير التي يحميها القانون والمحتويات التي قد تتحول إلى وسيلة للإضرار بالأفراد أو المؤسسات أو المصالح الوطنية.
إن سرعة انتشار المعلومة في العصر الرقمي تجعل المواطن شريكا مباشرا، بقصد أو دون قصد، في صناعة التأثير. فقد يكون نشر خبر مجهول المصدر أو مشاركة صورة مفبركة أو إعادة تداول تسجيل خارج سياقه كافياً لمنح محتوى مضلل انتشارا واسعا خلال دقائق، قبل أن تتاح للجهات المختصة فرصة التحقق منه أو تصحيحه.
ومن هنا، فإن المسؤولية تبدأ من السلوك الرقمي البسيط:

التحقق قبل النشر، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة، والرجوع إلى المصادر الرسمية عند تداول الأخبار الحساسة، وعدم تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء لنشر الشائعات أو الاتهامات غير المثبتة.
كما أن المؤسسات العمومية والخاصة مطالبة بدورها برفع مستوى الحماية الرقمية، وتأمين قواعد البيانات، وتكوين الموارد البشرية، ووضع خطط استباقية للتعامل مع المخاطر والهجمات المحتملة. فحماية الأنظمة المعلوماتية لم تعد مسألة تقنية داخلية، وإنما أصبحت جزءا من استمرارية المرافق والخدمات وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات.

وتتحمل وسائل الإعلام بدورها مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة، باعتبارها إحدى أهم الجهات التي تسهم في تشكيل الوعي العام. فالإعلام المهني لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل سريع للمعلومات، وإنما مؤسسة للتحقق والتدقيق ووضع الأحداث في سياقها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تمس أمن البلاد أو استقرار المجتمع أو مصالحه الحيوية.
ومن الخطأ أن يتحول السباق نحو تحقيق الانتشار والمشاهدات إلى مبرر للتسرع في نشر الأخبار غير الموثوقة، لأن الخطأ في الفضاء الرقمي لا يبقى محصورا في لحظة نشره، بل يمكن أن يعاد إنتاجه وتداوله آلاف المرات، وهو ما يجعل تصحيح المعلومة بعد انتشارها أكثر صعوبة من منع تداولها في البداية.
وفي المقابل، فإن مواجهة التضليل لا تعني تقييد النقاش العام أو التضييق على حرية التعبير، وإنما تعني تكريس ثقافة المسؤولية واحترام القانون، والتمييز بوضوح بين الرأي والمعلومة، وبين النقد والمعلومة الكاذبة، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات التأثير الممنهج التي تقوم على الخداع والتلاعب.
كما أن حماية الأمن السيبراني تقتضي تعزيز التعاون بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث ووسائل الإعلام والخبراء والمجتمع المدني، لأن طبيعة التهديدات الرقمية الحديثة تتجاوز قدرة جهة واحدة على مواجهتها بشكل منفرد.

ويظل المواطن الحلقة الأساسية في هذه المنظومة، ليس باعتباره طرفاً مهدداً فقط، وإنما باعتباره شريكا في الحماية. فكل مواطن يحسن حماية حساباته ومعطياته الشخصية، ويتجنب الروابط المشبوهة، ويتحقق من الأخبار قبل نشرها، ويبلغ عن المحتويات المريبة عبر القنوات القانونية والرسمية، يساهم بشكل مباشر في تقوية المناعة الرقمية للمجتمع.
إن المغرب الذي يواجه اليوم تحديات متزايدة في عالم سريع التحول، يحتاج إلى أن ينظر إلى الأمن السيبراني باعتباره مشروعاً وطنياً مستداماً، لا مجرد استجابة ظرفية للهجمات أو الحملات الرقمية. والمناعة الرقمية الحقيقية تُبنى بالتكوين المستمر، والاستثمار في الكفاءات، وتطوير الأنظمة، وتعزيز البحث العلمي، ورفع الوعي، وترسيخ ثقافة الوقاية قبل وقوع الخطر.
ولا شك أن المملكة المغربية تمتلك طاقات بشرية وكفاءات وطنية قادرة على مواصلة بناء منظومة رقمية قوية، غير أن قوة هذه المنظومة لا تقاس فقط بقدرة الأجهزة التقنية على صد الهجمات، وإنما أيضاً بمدى وعي المجتمع بخطورة المعلومة المضللة، وقدرته على التعامل معها بعقلانية ومسؤولية.
لقد أصبحت السيادة في العصر الحديث ذات أبعاد متعددة، ومن بينها السيادة الرقمية وحماية البيانات والبنيات التحتية المعلوماتية والقدرة على حماية المجال الإعلامي والاتصالي من محاولات الاختراق والتلاعب. ولذلك فإن تعزيز الأمن السيبراني هو في جوهره تعزيز لأمن الدولة والمجتمع والاقتصاد وحماية للمصالح الوطنية.

وفي هذا السياق، فإن اليقظة لا تعني الخوف، والحذر لا يعني الانغلاق، والوعي لا يعني الانسياق وراء كل ما يتم تداوله تحت عنوان الدفاع عن الوطن. بل إن الوطنية الرقمية الحقيقية تقوم على التثبت، واحترام القانون، وحماية المؤسسات، ورفض الإشاعة، وعدم منح المحتويات المفبركة فرصة للانتشار من خلال إعادة تداولها دون وعي.
إن الدفاع عن صورة المغرب ومصالحه الوطنية في الفضاء الرقمي مسؤولية مشتركة، تبدأ من المؤسسات، وتصل إلى الإعلام، وتمتد إلى كل مستخدم للهاتف والحاسوب ومنصات التواصل الاجتماعي. وكلما ارتفع مستوى الوعي الجماعي، تراجعت قدرة حملات التضليل على تحقيق أهدافها.
إن معركة المستقبل لن تكون فقط معركة من يملك التكنولوجيا، بل معركة من يملك القدرة على استخدامها بوعي ومسؤولية. ولذلك فإن أقوى تحصين للمجتمع المغربي في مواجهة المخاطر الرقمية هو الجمع بين مؤسسات يقظة، وكفاءات وطنية مؤهلة، وإعلام مهني، ومواطن واع، ومجتمع يضع المصلحة الوطنية واحترام القانون فوق كل اعتبار.
وهكذا، فإن الأمن السيبراني للمملكة المغربية ليس مسؤولية جهاز بعينه، ولا مهمة مؤسسة واحدة، وإنما هو ورش وطني متواصل، تتقاطع فيه مسؤوليات الدولة والمجتمع والإعلام والقطاع الخاص والمواطن. وكلما أدرك الجميع أن ضغطة واحدة على زر المشاركة قد تكون لها آثار واسعة، أصبح الفضاء الرقمي أكثر أمناً، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التضليل والهجمات ومحاولات زعزعة الثقة.

التعليقات مغلقة.