أعاد التفاوت الكبير بين مستويات الأجور والتعويضات داخل الدولة، من جهة، والواقع المعيشي لفئات واسعة من الأجراء والمستخدمين، من جهة أخرى، طرح أسئلة بشأن مدى عدالة منظومة الأجور والامتيازات العمومية، وما إذا كانت تحتاج إلى مراجعة تقوم على الشفافية وربط المسؤولية بالمردودية والمحاسبة.
ولا يتعلق النقاش، وفق هذا الطرح، بوضع البرلمانيين والوزراء في مواجهة العمال والموظفين، أو بالمطالبة بتوحيد الأجور، وإنما بفتح نقاش مؤسساتي حول مدى انسجام التعويضات العمومية مع حجم المسؤولية والنتائج المحققة، مقابل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها فئات واسعة من المواطنين.
ويشارك البرلمانيون في صياغة القوانين المنظمة للاقتصاد والشغل والضرائب والحماية الاجتماعية، بينما يعيش الأجراء والمستخدمون بشكل مباشر آثار هذه التشريعات، في ظل ارتفاع تكاليف السكن والنقل والغذاء والتعليم والالتزامات الأسرية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن تقييم منظومة التعويضات لا ينبغي أن يقتصر على الأرقام المجردة، بل يتعين مقارنتها بمستويات الأجور، والقدرة الشرائية، والاقتطاعات والضرائب، فضلاً عن تكاليف المعيشة والحماية الاجتماعية.
وفي المقابل، يؤكد الطرح أن الحديث عن تكلفة سنوية بمليارات الدراهم يظل بحاجة إلى معطيات ووثائق رسمية دقيقة، حتى لا يتحول النقاش إلى مجرد شعارات أو أرقام غير موثقة. ولذلك تبرز الحاجة إلى نشر بيانات واضحة حول الكلفة الإجمالية لأجور وتعويضات المسؤولين والمنتخبين والامتيازات المرتبطة بالمسؤوليات العمومية، وآليات مراقبتها وتقييم مردوديتها.
أما الأجراء والمستخدمون، فتتركز مطالبهم أساساً حول تحسين الأجور والقدرة الشرائية، وضمان الحماية الاجتماعية والتقاعد، والاستقرار المهني، واحترام قانون الشغل، وتحسين ظروف العمل ومحاربة أشكال الهشاشة والمناولة غير المنصفة.
ويطرح النقاش كذلك فكرة ربط التعويض بالمسؤولية والنتائج، من خلال اعتماد مؤشرات واضحة لتقييم الأداء والمردودية، بما يضمن عدم فصل الامتيازات عن المحاسبة والإنجاز.
ويبقى جوهر القضية هو تحقيق توازن أكبر داخل منظومة الأجور والتعويضات، بما يحفظ مكانة المسؤول العمومي ويعترف بحجم مسؤولياته، وفي الوقت نفسه يضمن للأجير والمستخدم أجراً يحفظ كرامته ويواكب تكاليف المعيشة.
وفي ظل استمرار الجدل حول العدالة الاجتماعية والقدرة الشرائية، تبرز دعوات إلى فتح هذا الملف بشكل مؤسساتي، بعيداً عن المزايدات، وبالاعتماد على الأرقام الرسمية: كم تنفق الدولة؟ وعلى من؟ ومقابل ماذا؟ وما النتائج المحققة؟ وفي المقابل، كم يتبقى للأجير بعد الضرائب والاقتطاعات لمواجهة تكاليف الحياة؟
فالثقة الاجتماعية، وفق هذا الطرح، لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالشفافية في تدبير المال العام، وعدالة توزيع ثمار التنمية، وجعل المواطن والأجير والمستخدم في صلب السياسات العمومية.

التعليقات مغلقة.