بقلم الأستاذ م ع
تعيش الدائرة الانتخابية فاس الجنوبية حالة من الترقب والاحتقان، في ظل تصاعد الأسئلة حول حصيلة التدبير المحلي، ومستوى التواصل مع الساكنة، ومدى قدرة المنتخبين على الوفاء بالالتزامات التي قُدمت خلال الاستحقاقات الانتخابية. وبينما ينتظر المواطن أجوبة واضحة حول الملفات التي تؤرقه، يبرز الصمت السياسي والتواصل المحدود باعتبارهما أحد أبرز مظاهر الأزمة التي تحتاج إلى نقاش صريح ومسؤول.
ولا يتعلق الأمر بشخص بعينه بقدر ما يتعلق بمنطق سياسي أصبح يفرض نفسه على المشهد المحلي: هل ما تزال الانتخابات وسيلة لاختيار الكفاءات والبرامج، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى مجال تتداخل فيه المصالح والنفوذ والقدرة المالية مع القرار السياسي؟
حين يصبح الصمت جواباً
يطرح غياب التواصل المنتظم مع وسائل الإعلام والساكنة علامات استفهام مشروعة حول علاقة المنتخب بمن انتخبه.
فالمنتخب، بمجرد حصوله على ثقة المواطنين، لا يصبح فوق المساءلة، بل يصبح أكثر حاجة إلى التواصل معهم. والتهرب من الأسئلة المشروعة للصحافة، أو الاكتفاء بالصمت أمام ملفات اجتماعية وتنموية حساسة، لا يساعد على بناء الثقة، بل يوسع المسافة بين المسؤول والمواطن.
إن الصحافة لا تطلب امتيازًا عندما تسأل المنتخب عن حصيلته، والمواطن لا يمارس ضغطًا غير مشروع عندما يريد معرفة ما تحقق من الوعود التي قُدمت له.
بل إن المساءلة والتواصل جزء أساسي من الحياة الديمقراطية.
الحق في المعلومة ليس ترفاً
يكفل الدستور المغربي حق المواطنين في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات والمؤسسات والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، كما يؤطر ممارسة حرية الصحافة والتعبير.
لكن ممارسة الحق في المعلومة لا تعني إطلاق اتهامات دون دليل، كما أن المسؤولية السياسية لا تعني الهروب من الأسئلة.
المعادلة بسيطة: للصحافة الحق في السؤال، وللمسؤول الحق في الرد، وللمواطن الحق في الحكم على الأداء.
ومن هنا، فإن إغلاق قنوات التواصل أمام الصحافة لا ينهي الأسئلة، بل يجعلها أكثر إلحاحًا.
المال والسياسة.. سؤال لا يمكن دفنه
تحتاج الحياة السياسية إلى قواعد واضحة تفصل بين المال والنفوذ والقرار العام.
فالمواطن لا يريد أن يشعر بأن النفوذ المالي أصبح شرطًا للولوج إلى المؤسسات المنتخبة، ولا يريد أن تتحول الانتخابات إلى منافسة في القدرة على الإنفاق أو بناء شبكات المصالح.
فالسياسة ليست استثمارًا خاصًا، والمنصب الانتخابي ليس مشروعًا تجاريًا، والمواطن ليس ورقة انتخابية تستعمل مرة كل عدة سنوات.
وحين يصبح المال حاضرًا بقوة في المشهد السياسي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يتم اختيار المنتخب على أساس الكفاءة والبرنامج، أم على أساس شبكة العلاقات والإمكانات والقدرة على التأثير؟
وهذا السؤال لا يوجه إلى جهة واحدة، وإنما يجب أن يكون موضوع نقاش عمومي جاد.
سماسرة الانتخابات.. ظاهرة تحتاج إلى مواجهة
من أخطر ما يمكن أن يصيب الممارسة الديمقراطية أن يتحول بعض الوسطاء المحليين إلى قوة انتخابية قادرة على صناعة النتائج أو توجيهها.
فالانتخابات التي يفترض أن تكون تعبيرًا حرًا عن إرادة المواطنين لا يمكن أن تستقيم إذا تحولت إلى سوق للوعود والمصالح والخدمات الانتخابية.
إن محاربة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون، ورفع الوعي الانتخابي، وتشجيع المواطنين على اختيار البرامج والكفاءات، ورفض كل أشكال شراء الأصوات أو التأثير غير المشروع في الإرادة الانتخابية.
أولاد الطيب.. المواطن قبل الحسابات السياسية
تبقى منطقة أولاد الطيب واحدة من الملفات التي تستحق اهتمامًا أكبر، بالنظر إلى حجم الانتظارات المرتبطة بالتنمية المحلية، والبنيات التحتية، والخدمات الأساسية، وتحسين ظروف العيش.
فالساكنة لا تحتاج إلى خطابات انتخابية جديدة، وإنما إلى أجوبة عملية ومواعيد واضحة ومشاريع قابلة للقياس.
ولا يمكن اختزال التنمية في صور المناسبات أو الوعود الموسمية.
المواطن يريد أن يعرف: ماذا تحقق؟ ماذا تعطل؟ لماذا تعطل؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومتى ستنتهي المشاريع المنتظرة؟
هذه ليست أسئلة سياسية عدائية، وإنما أسئلة مواطنين لهم الحق في معرفة حصيلة من يمثلهم.
الشرعية القانونية لا تعفي من المساءلة السياسية
قد تكون هناك قرارات وأحكام قضائية تحسم جوانب قانونية معينة، لكن الشرعية السياسية تظل مرتبطة أيضًا بثقة المواطن في أداء المنتخب.
فالقانون يحسم النزاعات القانونية، بينما الانتخابات والممارسة السياسية تحسمهما الثقة والمحاسبة والإنجاز.
ومن هنا، فإن الاحتكام إلى القانون يجب أن يكون قاعدة للجميع، لكن الاحتكام إلى رأي المواطنين لا يقل أهمية في الحياة الديمقراطية.
فالمنتخب الذي يحظى بثقة الناس لا يخشى النزول إليهم، والاستماع إلى انتقاداتهم، وتقديم حصيلته أمامهم.
الفاسيون لا يريدون إعادة إنتاج الماضي
لقد عرفت مدينة فاس ومحيطها خلال السنوات الماضية نقاشات سياسية حادة حول طبيعة التدبير المحلي، وحول تأثير النفوذ والعلاقات والتحالفات في صناعة القرار.
والمطلوب اليوم ليس استدعاء أسماء الماضي بقدر ما هو استخلاص الدروس منه.
فإذا تغيرت الوجوه وبقيت الأساليب نفسها، فما الذي تغير فعلاً؟
السؤال الحقيقي ليس من يحكم فقط، وإنما كيف يحكم؟ ولصالح من؟ وبأي حصيلة؟
وهنا تحديدًا ينبغي أن يكون المواطن في قلب المعادلة.
إلى ناخبنا المحترم.. لا تترك صوتك للوسطاء
إن المرحلة المقبلة تفرض على الناخب أن يكون أكثر وعيًا، وأكثر تدقيقًا في البرامج، وأقل قابلية للتأثر بالوعود الشخصية أو الخطابات العاطفية.
الصوت الانتخابي ليس سلعة، ولا خدمة يقدمها المواطن لمرشح، ولا دينًا يجب سداده.
إنه تفويض سياسي مؤقت، يمنحه المواطن لمن يعتقد أنه قادر على تمثيله والدفاع عن مصالحه.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم هو نشر مجموعة من المعطيات والوثائق والوقائع أمام ناخبنا المحترم، حتى يتمكن من تكوين صورة واضحة عن حقيقة الملفات المطروحة، بعيدًا عن التهويل أو التصفية أو الحسابات الشخصية.
وإذا كانت هناك معطيات أو وثائق تناقض ما يرد في هذا المقال، فإن المهنية تقتضي نشرها وتمكين الرأي العام من الاطلاع عليها.
فاس تستحق خطاباً سياسياً مختلفاً
فاس ليست مجرد دائرة انتخابية، وأولاد الطيب ليست مجرد خريطة انتخابية، والمواطن ليس مجرد رقم يظهر يوم الاقتراع ثم يختفي.
إنها منطقة تحتاج إلى رؤية تنموية، ومنتخبين قادرين على التواصل، ومؤسسات تمارس دورها، وصحافة تطرح الأسئلة دون خوف، ومواطن يراقب ويحاسب.
لقد انتهى زمن الاعتقاد بأن الصمت يمكن أن يقتل الأسئلة.
فالأسئلة التي لا تجد جوابًا تتحول إلى فقدان للثقة، وفقدان الثقة يتحول إلى عزوف، والعزوف يترك المجال أمام القوى الأكثر تنظيمًا وقدرة على التأثير.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين هذا المرشح أو ذاك، ولا بين هذا الحزب أو غيره، وإنما بين سياسة تقوم على المواطن والبرنامج والمساءلة، وسياسة تختزل الانتخابات في النفوذ والمال والوساطة.
.ومن أراد ثقة الفاسيين، فعليه أن يقنعهم بالإنجاز لا بالصمت، وبالبرنامج لا بالوعود، وبالحضور بينهم لا بالاختباء خلف الهواتف والأبواب المغلقة.

التعليقات مغلقة.