أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

فاطمة الزهراء المنصوري.. من مراكش إلى واجهة المشهد السياسي المغربي

بحث ومتابعة: ســلوى الجيــلاني بوعلــي

كرّست فاطمة الزهراء المنصوري حضورها داخل المشهد السياسي المغربي، بعدما انتقلت من رئاسة مجلس مدينة مراكش إلى البرلمان والحكومة، ثم إلى القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، لتصبح بذلك واحدة من أبرز الأسماء النسائية الحاضرة في الحياة السياسية الوطنية.
غير أن انتخابات 23 شتنبر 2026 منحت هذا المسار السياسي بُعدًا جديدًا، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدًا من أصل 395، مقابل 66 مقعدًا للتجمع الوطني للأحرار و65 لحزب الاستقلال، وفق النتائج المعلنة.
ويأتي هذا التقدم مقارنة بانتخابات 2021، التي حصل خلالها حزب الأصالة والمعاصرة على 87 مقعدًا، الأمر الذي أعاد اسم فاطمة الزهراء المنصوري إلى واجهة النقاش السياسي، خصوصًا في ظل موقعها داخل الحزب وتعدد المسؤوليات التي اضطلعت بها خلال السنوات الماضية.
من المحاماة إلى عمودية مراكش
دخلت المنصوري المجال السياسي بعد دراسة القانون وممارسة مهنة المحاماة، قبل أن تخوض تجربتها الانتخابية بمدينة مراكش.
وفي سنة 2009 تولت رئاسة مجلس مدينة مراكش، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب في المدينة، واستمرت في رئاسة المجلس إلى سنة 2015، قبل أن تعود إلى رئاسة الجماعة سنة 2021.
ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمها سياسيًا بمدينة مراكش، التي شكلت إحدى أبرز محطات مسارها الانتخابي والسياسي، ومنها انتقلت إلى مواقع وطنية أكثر اتساعًا.
من البرلمان إلى الحكومة واصلت المنصوري مسارها داخل حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تنتقل إلى الحكومة سنة 2021، بعدما عُينت وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
وتجمع هذه الحقيبة الحكومية عددًا من الملفات المرتبطة بالسكن والتعمير والتخطيط المجالي والسياسة الحضرية والتنمية الترابية.
وخلال فترة توليها المسؤولية الحكومية، برزت مجموعة من البرامج والملفات، من بينها برنامج الدعم المباشر للسكن، ومحاربة السكن غير اللائق، والتجديد الحضري، إلى جانب إعادة بناء المناطق المتضررة من زلزال الحوز.
وفي نونبر 2025، عرضت الوزارة حصيلتها أمام البرلمان، وقدمت معطيات حول المصادقة على عدد من وثائق التعمير، وبرامج السكن والتجديد الحضري، ودعم العالم القروي.
غير أن هذه المعطيات، باعتبارها صادرة عن الوزارة والحزب، تظل بحاجة إلى قراءتها إلى جانب المعطيات المستقلة والنتائج الميدانية عند تقييم الحصيلة.
زلزال الحوز.. اختبار حكومي كبير فرض زلزال 8 شتنبر 2023 واحدًا من أكبر الاختبارات على القطاعات الحكومية المعنية بإعادة الإعمار وتأهيل المناطق المتضررة.
وبحسب المعطيات الحكومية التي عُرضت أمام البرلمان، بلغ عدد المنازل التي اكتملت إعادة بنائها بالمناطق المتضررة 53,648 منزلًا إلى حدود 10 نونبر 2025، مع إصدار 58,945 رخصة بناء.
لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تختصر وحدها تقييم السياسات العمومية.
فإعادة الإعمار لا ترتبط فقط بعدد الرخص والمشاريع، وإنما تشمل أيضًا سرعة الإنجاز، وجودة البناء، ووصول الدعم إلى مستحقيه، وقدرة المناطق المتضررة على استعادة نشاطها الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يظل مفتوحًا أمام المتابعين:
ماذا تقول الأرقام الرسمية؟ وماذا يقول الواقع الميداني وشهادات المواطنين في المناطق المتضررة؟
الدعم المباشر للسكن.. بين الأرقام وانتظارات المواطنين
ارتبط اسم المنصوري كذلك ببرنامج الدعم المباشر للسكن، الذي شكل أحد أبرز البرامج الحكومية خلال الولاية السابقة.
ووفق المعطيات الحكومية التي قدمتها الوزيرة في نونبر 2025، بلغ عدد المستفيدين من البرنامج آنذاك 75,760 مواطنًا، حيث استفاد 62 في المائة منهم من دعم بقيمة 70 ألف درهم، مقابل 38 في المائة استفادوا من دعم بقيمة 100 ألف درهم.
وفي المقابل، فتح البرنامج نقاشًا حول أسعار العقار، وقدرة الأسر، خصوصًا الشباب والطبقة المتوسطة، على اقتناء السكن، ومدى قدرة الدعم العمومي على معالجة إشكالية السكن باعتبارها قضية اقتصادية واجتماعية تتجاوز مجرد تمويل جزء من ثمن المسكن.
وهو ملف يظل بحاجة إلى تقييم مستقل يستند إلى الأرقام والنتائج الميدانية، بعيدًا عن الخطاب الحكومي أو الحزبي وحده.
مراكش.. الحصيلة في مواجهة الانتقادات
فرضت عودة المنصوري إلى رئاسة مجلس مدينة مراكش سنة 2021 عليها مواجهة سؤال محلي مباشر: ماذا تغير في المدينة؟
وفي يوليوز 2025، واجهت انتقادات تناولت مظاهر قالت جهات منتقدة إنها تعكس وجود اختلالات أو إهمالًا في عدد من المجالات داخل مراكش، وردت المنصوري برسالة مفتوحة دافعت فيها عن حصيلة المدينة، وقدمت أرقامًا ومعطيات قالت إنها تعكس دينامية تنموية خلال السنوات السابقة.
وتكشف هذه المرحلة عن جانب آخر من مسؤولياتها السياسية، فهي ليست فقط مسؤولة حكومية سابقة، وإنما أيضًا مسؤولة منتخبة محليًا.
وبالتالي، فإن قراءة تجربتها تفتح مستويين من التقييم:
ماذا تحقق خلال فترة توليها المسؤولية الحكومية؟
وماذا تحقق على مستوى تدبير مدينة مراكش؟
داخل حزب الأصالة والمعاصرة
دخل حزب الأصالة والمعاصرة، في فبراير 2024، مرحلة القيادة الجماعية، وكانت فاطمة الزهراء المنصوري واحدة من أبرز أعضائها إلى جانب محمد المهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي.
ومع هذا الموقع، أصبحت المنصوري حاضرة في قلب القرار الحزبي، بالتوازي مع تجربتها الحكومية ومسؤوليتها الانتخابية المحلية.
هذا الجمع بين الحكومة والجماعة المحلية والقيادة الحزبية جعل تجربتها السياسية أكثر اتساعًا، لكنه جعلها في الوقت نفسه أمام مساحة أكبر من النقاش والمساءلة السياسية والإعلامية حول الحصيلة والقرارات والنتائج.
انتخابات 2026.. مرحلة جديدة
أعادت نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 ترتيب موازين القوى داخل مجلس النواب، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدًا.
هذا المعطى فتح نقاشًا واسعًا حول المرحلة السياسية المقبلة، خصوصًا ما يتعلق بتشكيل الحكومة والتحالفات التي ستحدد تركيبتها.
وفي الندوة الصحفية التي أعقبت إعلان النتائج، تحدثت المنصوري عن المرحلة المقبلة، مؤكدة أن تحمل مسؤولية الحكومة مرتبط بالمسار الدستوري والسياسي الذي يلي الانتخابات، كما أكدت احترامها لاختصاص الملك في تعيين رئيس الحكومة ويبقى من الضروري هنا التمييز بين المعطيات المؤكدة والتكهنات السياسية.

فالمؤكد أن حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج وفق المعطيات المعلنة، أما الحديث عن فاطمة الزهراء المنصوري باعتبارها رئيسة حكومة محتملة، فيبقى ضمن دائرة النقاش السياسي والإعلامي ما لم يصدر تعيين رسمي.
من رئاسة مدينة إلى اختبار وطني أكبر
تطرح المرحلة الجديدة مجموعة من الأسئلة حول مستقبل المنصوري داخل المشهد السياسي المغربي، خصوصًا في ظل تصدر حزبها نتائج الانتخابات التشريعية.
فإذا أسندت إليها مسؤولية رئاسة الحكومة، فسيكون الأمر محطة سياسية بارزة باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب.
لكن النقاش لا يتعلق فقط بشخص رئيس الحكومة، وإنما أيضًا بطبيعة البرنامج الحكومي المقبل، وتركيبة الأغلبية، وأولويات المرحلة.
وهنا تبرز ملفات التشغيل والصحة والتعليم والسكن والقدرة الشرائية، إلى جانب كيفية تدبير التحالفات السياسية داخل البرلمان.
فحصول حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدًا، في مجلس نواب يضم 395 مقعدًا، يعني أن تشكيل أغلبية برلمانية يتطلب مفاوضات وتحالفات سياسية، باعتبار أن الأغلبية المطلقة تتطلب 198 مقعدًا.
المنصوري.. مسار متعدد الواجهات وأسئلة مفتوحة
تختصر تجربة فاطمة الزهراء المنصوري مسارًا سياسيًا متعدد المحطات؛ محامية، وعمدة لمراكش، وبرلمانية، ووزيرة، وقيادية حزبية.
لكن تعدد المسؤوليات والمواقع لا يشكل وحده معيارًا للحكم على التجربة السياسية، إذ تظل الحصيلة مرتبطة بالملفات والنتائج ومدى انعكاس السياسات العمومية على حياة المواطنين.
ففي السكن، يبقى السؤال حول النتائج الفعلية للدعم المباشر وفي التعمير، يظل النقاش مفتوحًا حول أثر السياسات المجالية على المدن والمناطق القروية وفي مراكش، يستمر الجدل حول ما تحقق وما بقي من الانتظارات.
أما داخل الحزب، فتطرح المرحلة المقبلة أسئلة حول كيفية ترجمة تصدر الانتخابات إلى ممارسة سياسية وتدبير حكومي.
ثم يبرز السؤال الأكبر:
هل ستنتقل فاطمة الزهراء المنصوري من تجربة العمودية والوزارة والقيادة الحزبية إلى مسؤولية تنفيذية أولى على المستوى الوطني؟
الإجابة عن هذا السؤال تبقى مرتبطة بالمسار الدستوري والسياسي الذي ستشهده المرحلة المقبلة، وبالقرارات التي ستتخذها المؤسسات المعنية.
وفي نهاية المطاف، ستظل تجربة المنصوري، كما تجربة أي مسؤول سياسي، مرتبطة بما تحقق على أرض الواقع، وبالأرقام والبرامج والنتائج، وبمدى قدرة السياسات المعلنة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.

التعليقات مغلقة.