أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية: رهانات الإصلاح وتحديات التنمية والتحول الرقمي

بقلم الاستاد محمد عيدني فاس.اعلامي متخصص

يمثل تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الجهاز التنفيذي المغربي، في الفرضية السياسية التي يقوم عليها هذا النقاش، محطة ذات دلالة سياسية ومؤسساتية ورمزية بالغة الأهمية، بالنظر إلى ما يمكن أن يحمله هذا التحول من إعادة ترتيب للأدوار داخل المشهد السياسي، ومن إعادة طرح سؤال العلاقة بين الشرعية الانتخابية والكفاءة التدبيرية والقدرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تغيير في موقع القيادة التنفيذية، وإنما تفتح النقاش حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وحول مدى قدرة المؤسسات على الانتقال من منطق تدبير التوازنات الظرفية إلى بناء سياسات عمومية أكثر مرونة وفعالية واستجابة للتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة النسق الحزبي المغربي، الذي يقوم على تعددية سياسية تجعل تشكيل الأغلبية الحكومية عملية مرتبطة بالتفاوض وبناء التحالفات والتوفيق بين البرامج والتوجهات المختلفة. ومن ثم، فإن أي قيادة حكومية جديدة ستكون مطالبة بإدارة معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على التماسك السياسي للأغلبية وبين القدرة على اتخاذ قرارات إصلاحية تستجيب لحجم الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية. فالحكومة لا تعمل داخل فراغ سياسي، وإنما داخل شبكة معقدة من المؤسسات والفاعلين والمصالح، الأمر الذي يجعل تدبير الاختلاف داخل الائتلاف الحكومي جزءاً أساسياً من عملية صنع القرار العمومي.

ومن هذا المنظور، يمكن أن يشكل استمرار التحالفات السياسية القائمة أحد السيناريوهات الممكنة لضمان قدر من الاستقرار المؤسساتي، خصوصاً إذا كانت المكونات الحكومية قادرة على المحافظة على حد أدنى من الانسجام البرنامجي والسياسي. غير أن الاستقرار العددي للأغلبية لا يعني بالضرورة تحقيق النجاعة الحكومية، إذ إن قوة أي ائتلاف لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يتوفر عليها داخل البرلمان، وإنما كذلك بقدرته على إنتاج رؤية مشتركة وتحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشكيل الأغلبية بقدر ما يكمن في جعلها أداة لتنسيق السياسات وتجاوز التنافس الحزبي داخل الجهاز التنفيذي.

وفي المقابل، يظل خيار توسيع دائرة المشاركة السياسية والاستعانة بالكفاءات المتخصصة مطروحاً في إطار البحث عن التوازن بين الشرعية السياسية والخبرة التقنية. فقد أظهرت التجارب الحكومية المعاصرة أن تعقيد الملفات الاقتصادية والمالية والرقمية والبيئية والاجتماعية يجعل تدبير الدولة أكثر حاجة إلى خبرات متخصصة قادرة على تحليل البيانات، وتقييم السياسات، واستشراف المخاطر، وتصميم الحلول. غير أن حضور التكنوقراط داخل الحكومة يطرح بدوره إشكالية العلاقة بين الخبرة التقنية والمسؤولية السياسية. فالكفاءة التقنية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تحل محل الاختيار السياسي الذي يحدد الأولويات العامة ويوجه السياسات وفقاً للشرعية الدستورية والمؤسساتية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تركيبية لا تجعل الاختيار بين السياسي والتقني ثنائية حادة، وإنما تسعى إلى بناء تكامل بينهما. فالمسؤول السياسي يحتاج إلى الخبرة التقنية من أجل اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة والمعطيات، في حين يحتاج الخبير التقني إلى إطار سياسي ومؤسساتي واضح يحدد الأهداف والأولويات ويضمن المساءلة. إن الإشكال لا يكمن، بالتالي، في وجود التكنوقراط في حد ذاته، وإنما في طبيعة موقعهم داخل منظومة القرار، ومدى خضوع العمل التقني لمبادئ الشفافية والمساءلة وتضارب المصالح والحكامة الجيدة.

ويزداد هذا النقاش أهمية عندما يتعلق الأمر بما يمكن تسميته بـ”التينوكراك”، أي عندما تتحول الخبرة التقنية أو البيروقراطية إلى مجال مغلق لإنتاج القرار بعيداً عن الرقابة السياسية والمجتمعية. فالدولة الحديثة تحتاج إلى الإدارة والخبرة والتخصص، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات منتخبة قادرة على تحديد الخيارات العامة ومساءلة منفذيها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء علاقة متوازنة بين السياسة والإدارة والخبرة، بحيث لا تتحول التقنية إلى بديل عن السياسة، ولا تتحول السياسة إلى عائق أمام الكفاءة والابتكار.

وفي قلب هذه المعادلة تبرز قضية التنمية الاجتماعية والمجالية باعتبارها أحد أهم اختبارات أي حكومة مقبلة. فالمواطن لا يقيس أداء الحكومة فقط من خلال المؤشرات الاقتصادية الكلية أو حجم المشاريع الاستثمارية، وإنما من خلال أثر السياسات العمومية على حياته اليومية، وعلى قدرته على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وعلى فرصه في العمل، وعلى مستوى دخله وقدرته الشرائية، وعلى جودة التعليم والصحة والنقل والإدارة. ومن ثم، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية لا ينبغي أن يظل مرتبطاً بالخطاب السياسي، بل يجب أن يتحول إلى منظومة قابلة للقياس من خلال مؤشرات واضحة تتعلق بالفقر والهشاشة والبطالة والفوارق المجالية وجودة الخدمات العمومية.

وتفرض البطالة، ولا سيما في صفوف الشباب، نفسها باعتبارها تحدياً يتجاوز بعدها الاقتصادي ليصبح قضية اجتماعية ومؤسساتية وثقافية. فالشباب المغربي يعيش في بيئة عالمية مفتوحة بفعل الثورة الرقمية، ويقارن باستمرار بين واقعه والفرص المتاحة في مجتمعات أخرى. ولذلك فإن انتظاراته لم تعد مقتصرة على الحصول على وظيفة تقليدية، وإنما أصبحت تشمل فرصاً جديدة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي والعمل عن بعد وريادة الأعمال والابتكار والمهن المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وهذا التحول يفرض على السياسات العمومية إعادة النظر في العلاقة بين التعليم والتكوين وسوق الشغل، والانتقال من نموذج تكوين يقوم أساساً على الشهادات إلى نموذج يركز بصورة أكبر على المهارات والقدرة على الابتكار والتكيف مع التحولات.

كما أن أزمة الثقة بين فئات من الشباب والمؤسسات لا يمكن اختزالها في ضعف المشاركة السياسية أو العزوف الانتخابي، وإنما ينبغي النظر إليها ضمن تحولات أوسع في علاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسات والمعلومة والسلطة. فقد أصبح المواطن، وخاصة الشاب، قادراً على الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات، ومقارنة السياسات والتجارب، والتعبير عن مواقفه بصورة فورية عبر المنصات الرقمية. وبالتالي، فإن التواصل الحكومي التقليدي لم يعد كافياً لبناء الثقة. المطلوب هو الانتقال من خطاب يقوم على الإعلان عن البرامج إلى تواصل يقوم على تفسير القرارات، ونشر المعطيات، وقياس النتائج، والاعتراف بالصعوبات، وإشراك المواطنين في تقييم السياسات العمومية.

وفي هذا السياق، أصبح التحول الرقمي جزءاً من جوهر تدبير الدولة وليس مجرد ورش تقني أو إداري. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والرقمنة يمكن أن تساهم في تحسين جودة الخدمات العمومية، وتسريع المساطر الإدارية، وتطوير التخطيط الاقتصادي، وتحسين استهداف البرامج الاجتماعية، وتعزيز القدرة على استشراف المخاطر. غير أن إدماج هذه التقنيات يقتضي في المقابل بناء إطار مؤسساتي وتشريعي يحمي المعطيات الشخصية، ويضمن الأمن السيبراني، ويحدد المسؤولية عن القرارات المؤتمتة، ويمنع استعمال التكنولوجيا بصورة تمس الحقوق والحريات.

وتزداد أهمية هذا التحول في ظل الاستحقاقات التنموية والاستثمارية الكبرى التي يستعد المغرب لاحتضانها، بما في ذلك الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030. فهذه الاستحقاقات يمكن أن تشكل فرصة لتسريع تحديث البنيات التحتية والخدمات والنقل والرقمنة، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحدياً يتعلق بضمان استدامة الاستثمارات وتحويل المشاريع الكبرى إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل. فالرهان لا ينبغي أن يقتصر على إنجاح حدث معين، وإنما على الاستفادة من ديناميته لتطوير الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل وتعزيز جاذبية المجالات الترابية وتحسين جودة الحياة.

ومن ثم، فإن الإيقاع الإصلاحي لأي حكومة مقبلة سيظل مرتبطاً بقدرتها على الجمع بين الواقعية السياسية والجرأة الإصلاحية. فالائتلاف الحكومي يحتاج إلى التوافق من أجل الاستمرار، لكن التوافق لا ينبغي أن يتحول إلى آلية لتعطيل الإصلاحات أو تأجيل القرارات الصعبة. وفي المقابل، فإن الإصلاح السريع لا يعني بالضرورة الإصلاح الفعال، إذ إن السياسات العمومية تحتاج إلى دراسة وتقييم واستشارة وقدرة مؤسساتية على التنفيذ. لذلك فإن المطلوب هو بناء ما يمكن تسميته بالتوافق المنتج، أي توافق يسمح بتحديد الأولويات الكبرى، مع ترك مساحة كافية للحكومة من أجل اتخاذ القرارات الضرورية ومتابعة تنفيذها وفق آجال ومؤشرات محددة.

ويقتضي ذلك إعادة التفكير في مفهوم المسؤولية الحكومية نفسه، بحيث لا يصبح نجاح الحكومة مرتبطاً فقط بمدى قدرتها على الحفاظ على الانسجام الداخلي للأغلبية، وإنما كذلك بمدى قدرتها على إنتاج نتائج قابلة للقياس. ويمكن في هذا الإطار اعتماد آليات أكثر صرامة لتقييم السياسات العمومية، وربط البرامج الحكومية بمؤشرات أداء واضحة، ونشر تقارير دورية حول نسب الإنجاز، وتعزيز دور المؤسسات الرقابية والبرلمان والمجتمع المدني والجامعة في تحليل النتائج ومناقشة الاختيارات العمومية.

إن الرهان الأساسي أمام أي قيادة حكومية في المرحلة المقبلة يتمثل، في نهاية المطاف، في إعادة بناء العلاقة بين السياسة والإنجاز. فالمواطن لا يبحث فقط عن خطاب سياسي جديد، وإنما عن مؤسسات قادرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة. والشباب، على وجه الخصوص، لا يبدو مستعداً للاكتفاء بخطابات عامة حول المستقبل، بل ينتظر سياسات تتفاعل مع عالمه الرقمي، وتوفر له فرصاً حقيقية في التعليم والعمل والابتكار والمشاركة.

وعليه، فإن التوفيق بين إكراهات الإجماع الحزبي وضرورة الإصلاح لا يمر عبر إلغاء أحد الطرفين، وإنما عبر إعادة تعريف وظيفة الائتلاف الحكومي نفسه. فالأغلبية السياسية يمكن أن تكون إطاراً للاستقرار، لكنها تحتاج إلى رؤية مشتركة وأولويات محددة وآليات فعالة لاتخاذ القرار. كما أن الكفاءات التقنية يمكن أن تضيف قيمة كبيرة إلى العمل الحكومي، شريطة أن تعمل داخل إطار واضح من المسؤولية السياسية والمساءلة الديمقراطية. أما التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فلا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد أدوات تقنية، وإنما باعتبارهما جزءاً من تحول أعمق في طريقة إنتاج السياسات العمومية وتقديم الخدمات وإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن المرحلة المقبلة تفرض، بالتالي، الانتقال من منطق تدبير التوازنات إلى منطق بناء القدرة الحكومية على الإنجاز. وهذه القدرة لن تتحقق فقط من خلال تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع الحقائب، وإنما من خلال تطوير المؤسسات، وتحسين جودة الإدارة، والاستثمار في الكفاءات، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك الشباب في إنتاج السياسات التي تخص مستقبله. ومن هذا المنظور، فإن نجاح التجربة الحكومية سيظل رهيناً بقدرتها على بناء توازن مستدام بين الشرعية السياسية والكفاءة التقنية، وبين سرعة القرار وجودة التخطيط، وبين ضرورات الاستقرار السياسي وحاجة المجتمع إلى إصلاحات ملموسة.

وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط كيف يمكن لرئيسة الحكومة أن تحافظ على تماسك الأغلبية، وإنما كيف يمكن تحويل هذا التماسك إلى قوة مؤسساتية قادرة على إنتاج سياسات عمومية تستجيب لتحولات المجتمع. فالتحدي الأكبر يتمثل في جعل التوافق السياسي وسيلة للإصلاح وليس غاية في حد ذاته، وجعل التقنية رافعة للقرار السياسي لا بديلاً عنه، وجعل الرقمنة أداة لتحسين حياة المواطنين لا مجرد شعار للتحديث. وفي هذا التوازن الدقيق تتحدد قدرة الدولة على الانتقال من تدبير الحاضر إلى بناء المستقبل، وعلى تحويل التحولات الديموغرافية والتكنولوجية والاقتصادية إلى فرص حقيقية للتنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية.

التعليقات مغلقة.