أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

تحديات كبرى تنتظر أول سيدة تقود الحكومة المغربية

المصطفى الوادي

لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسة للحكومة المغربية مساء الثلاثاء 29 شتنبر 2026، مجرد تغيير على مستوى الجهاز التنفيذي، بل شكل محطة سياسية غير مسبوقة باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب.

وجاء هذا التعيين بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعداً، ليصبح القوة البرلمانية الأولى، قبل أن يكلف الملك محمد السادس المنصوري، طبقاً للفصل 47 من الدستور، بتشكيل الحكومة الجديدة.

ولا تقتصر دلالات هذا التحول على مسألة تمثيلية المرأة في مواقع القرار، إذ ستصبح قيمته السياسية والمؤسساتية مرتبطة بقدرة الحكومة الجديدة على الانتقال من الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية وإجراءات ملموسة.

من عبد الله إبراهيم إلى فاطمة الزهراء المنصوري

ويحمل وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة دلالات تاريخية أخرى، بالنظر إلى انتمائها إلى مدينة مراكش، التي سبق أن خرج منها رئيس الحكومة الراحل عبد الله إبراهيم.

غير أن المقارنة بين التجربتين تظل مرتبطة بسياقين مختلفين بشكل كبير. فقد قاد عبد الله إبراهيم الحكومة في مرحلة مبكرة من الاستقلال، كانت فيها الدولة منشغلة ببناء المؤسسات وترسيخ استقلالها السياسي والاقتصادي، بينما تتولى المنصوري المسؤولية في مغرب أكثر تعقيداً، واقتصاد منفتح على الأسواق الدولية، وانتظارات اجتماعية متزايدة، واستحقاقات مالية وتنموية كبرى.

الصحراء في صدارة الملفات السياسية

على المستوى السياسي، ستكون قضية الصحراء من أبرز الملفات التي ستواجه الحكومة الجديدة، في ظل استمرار المسار الدبلوماسي المرتبط بهذا الملف.

ويفرض هذا السياق على الحكومة مواصلة العمل السياسي والدبلوماسي حول القضية، والحفاظ على الإجماع الوطني بشأنها، في ظل محيط إقليمي ودولي شديد الحساسية.

وبالموازاة مع ذلك، تبرز مسألة استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية كأحد التحديات الداخلية، خصوصاً بعد تسجيل نسبة مشاركة وطنية بلغت 38.08 في المائة خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو ما يضع المشاركة السياسية واستعادة ثقة الناخبين ضمن الملفات المطروحة أمام الحكومة والأحزاب.

تشكيل الأغلبية.. أول اختبار سياسي

وسيكون تشكيل الأغلبية الحكومية أول اختبار عملي أمام فاطمة الزهراء المنصوري، بعدما حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، وهي نتيجة لا تمنحه الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب.

ومع توجه عدد من الأحزاب، من بينها العدالة والتنمية وتحالف اليسار، نحو المعارضة، ستصبح هندسة الأغلبية الجديدة محوراً أساسياً في المشاورات السياسية المقبلة.

ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستعيد إنتاج جزء من تركيبة الأغلبية السابقة، أم ستتجه نحو صيغة سياسية مختلفة تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من الانسجام والقدرة على تنفيذ البرنامج الحكومي.

الاقتصاد بين النمو والضغط الاجتماعي

اقتصادياً، تواجه الحكومة معادلة دقيقة تتمثل في مواصلة الاستثمار والحفاظ على استقرار المالية العمومية، بالتوازي مع معالجة ملفات البطالة والقدرة الشرائية.

كما ستفرض تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأولية والظروف الاقتصادية الإقليمية والدولية على الحكومة الموازنة بين التحكم في العجز والمديونية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية.

ويبرز التشغيل، خصوصاً تشغيل الشباب، كأحد الملفات الأساسية، في ظل الحاجة إلى الانتقال من الوعود بإحداث مناصب شغل إلى خلق فرص عمل مستدامة وقابلة للاستمرار.

إصلاح التقاعد ووعد 3000 درهم

ومن الملفات الثقيلة التي ستجدها الحكومة الجديدة على طاولتها إصلاح أنظمة التقاعد، في ظل الإكراهات المالية التي تواجهها والحاجة إلى ضمان استدامتها.

ويكتسي الملف أهمية إضافية في ضوء الوعد الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة برفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً ابتداء من السنة الثانية للولاية الحكومية، مع توسيع الإجراء ليشمل مختلف أنظمة التقاعد، إلى جانب مقترحات تخص معاشات الأرامل.

وهنا تبرز أسئلة مرتبطة بكلفة هذا الالتزام ومصادر تمويله، ومدى إمكانية التوفيق بين إصلاح أنظمة التقاعد وضمان استدامتها المالية ورفع الحد الأدنى للمعاشات.

280 مليار درهم.. ملف ينتظر التوضيح

ومن الملفات التي قد تحضر بقوة في بداية الولاية الحكومية أيضاً قضية 280 مليار درهم التي تحدث عنها فوزي لقجع، باعتبارها، وفق التصريح المنسوب إليه في النص، حجم ما أنفقته الحكومة خلال خمس سنوات لدعم القدرة الشرائية.

وقد أثار هذا الرقم نقاشاً، مع مطالبة الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة «ترانسبيرنسي المغرب» بتوضيح أوجه صرف المبلغ والقطاعات المستفيدة وآليات تتبع أثره على القدرة الشرائية والأسعار.

وبذلك يظل ملف تقييم هذه النفقات وقياس أثرها الفعلي على المواطنين من الملفات التي يمكن أن تطرح أمام الحكومة الجديدة.

الصحة والتعليم والقدرة الشرائية

ولا تقل ملفات الصحة والتعليم أهمية عن الملفات الاقتصادية، في ظل الضغط المتزايد على الخدمات العمومية واتساع اللجوء إلى القطاع الخاص وارتفاع كلفة عدد من الخدمات.

وسيكون تحسين جودة الخدمات العمومية ومردوديتها أحد الاختبارات الأساسية للحكومة، إلى جانب القدرة الشرائية التي تمثل أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.

فالمواطن لا ينتظر فقط ارتفاع مؤشرات النمو والاستثمار، وإنما يترقب انعكاس ذلك على أسعار المواد الأساسية والدخل وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية.

قانون مالية 2027.. أول اختبار عملي

غير أن مختلف هذه الملفات ستلتقي في محطة واحدة هي مشروع قانون المالية لسنة 2027.

فقد بدأت التحضيرات للمشروع قبل الانتخابات، بينما ستكون الحكومة الجديدة مطالبة بتحويل الإطار المالي والميزانياتي إلى اختيارات تعكس برنامجها السياسي والانتخابي.

وسيكون قانون المالية بمثابة أول اختبار عملي لمدى قدرة الحكومة على ترجمة الوعود إلى اعتمادات وإجراءات وبرامج محددة، خصوصاً ما يتعلق بالمعاشات والقدرة الشرائية ودعم الأسر والتشغيل والصحة والتعليم.

من الوعود الانتخابية إلى مسؤولية الحكومة

انتقال حزب الأصالة والمعاصرة إلى قيادة الحكومة يضعه أمام مسؤولية مختلفة عن مرحلة المشاركة الحكومية، إذ يصبح مطالباً بتحمل المسؤولية المباشرة عن نتائج السياسات العمومية التي سيعتمدها.

وبذلك، لن يقتصر اختبار حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على رمزية كونها أول امرأة تقود الحكومة المغربية، بل سيمتد إلى قدرتها على تدبير ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة، وعلى رأسها قانون المالية 2027، وإصلاح التقاعد، والتشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة والتعليم، إلى جانب الملفات الوطنية الكبرى.

وفي النهاية، ستنتقل حكومة «بنت الباشا» من مرحلة الوعود والبرامج الانتخابية إلى مرحلة الحسابات المالية والتنفيذ الحكومي، حيث سيكون معيار المرحلة الجديدة مدى ترجمة الالتزامات المعلنة إلى إجراءات وسياسات يلمس المواطن أثرها في دخله ومعاشه وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية وتكاليف الحياة.

التعليقات مغلقة.