تعيش الصحافة الوطنية المغربية اليوم على وقع أزمة مركبة لم تعد خافية على أحد.
فبين مقاولات إعلامية تصارع شبح الإفلاس اليومي ومراسلين ومصورين يعملون “على المكشوف” في بيئة مهنية ومادية هشة تتجه الأنظار بقلق نحو مستقبل مهنة المتاعب في المملكة.
أزمة هيكلية لم تقتصر تداعياتها على الداخل بل عبرت الحدود لتصبح مادة حاضرة بقوة في تقارير الدول والمنظمات الدولية المراقبة لحرية التعبير واستقلالية الإعلام.
على المستوى الداخلي يدفع الصحفيون الميدانيون والمقاولات الإعلامية المتوسطة والصغرى فاتورة سنوات من التدبير المتعثر.
هشاشة اقتصادية غياب للحماية الاجتماعية الفعالة وتراجع ملحوظ في تثمين الكفاءات المهنية لحساب نماذج تجارية تبحث عن الربح السريع.
هذا الواقع دفع بالعديد من الأصوات المهنية لدق ناقوس الخطر محذرة من اندثار الصحافة الجادة التي تشكل ركيزة أساسية لأي بناء ديمقراطي.
ماذا يقول الخارج عن صحافتنا؟
لم تبق هذه المعاناة أسيرة الجدران الوطنية؛ فقد رصدت تقارير دولية ومراصد تابعة لدول غربية هذا التراجع المقلق في بنية الصحافة المغربية مسجلة عدة ملاحظات يمكن تلخيصها في الأسطر التالية:
التبعية الاقتصادية تقتل الاستقلالية: أشارت تقارير دورية تصدرها وزارات خارجية دول شريكة (مثل التقارير السنوية للخارجية الأمريكية حول حقوق الإنسان) إلى أن “البيئة الاقتصادية الصعبة والهشة للمؤسسات الإعلامية في المغرب تؤثر سلبا على استقلاليتها وتجعلها أكثر عرضة للتبعية” معتبرة أن الدعم المالي غير المهيكل يخلق صحافة موجهة.
الرقابة الذاتية والمتابعات القانونية: في تقارير متواترة لمنظمات دولية وازنة مثل “مراسلون بلا حدود” ومنظمة العفو الدولية تم تسليط الضوء مرارا على تنامي ظاهرة “الرقابة الذاتية” بين الصحفيين المغاربة نتيجة الخوف من المتابعات مع انتقاد صريح للجوء إلى القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر في قضايا النشر.
تراجع التعددية: عبرت هيئات ولجان تابعة للاتحاد الأوروبي في مناسبات عدة عن قلقها إزاء التحديات التي تواجه “صناعة الإعلام المستقل” في المملكة معتبرة أن إفلاس المقاولات الصحفية الجادة وإضعاف الصحفيين المهنيين يشكل ضربة للتعددية الفكرية والسياسية التي طالما ميزت المغرب في محيطه الإقليمي.
في خضم هذه التقاطعات بين واقع داخلي مرير وانتقادات دولية متزايدة يبقى السؤال المعلق:
متى يتم الانتقال من سياسة “المسكنات” و”الترقيع” إلى إنقاذ هيكلي حقيقي؟
إن حماية المراسل والمصور والصحفي المهني من التشرد والإفلاس لم تعد مجرد مطلب نقابي فئوي بل هي ضرورة وطنية ملحة لتحصين صورة المغرب المؤسساتية أمام العالم وإعادة الاعتبار لـ”السلطة الرابعة” قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.

التعليقات مغلقة.