حين تتحول السلطة إلى وهم العظمة.. هل يغير النفوذ شخصية الإنسان أم يكشف حقيقتها؟
"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني"
ليست السلطة مجرد منصب إداري أو مسؤولية سياسية وليست النفوذ امتيازا يمنح صاحبه الحق في التحكم في الآخرين بل هما اختبار حقيقي لشخصية الإنسان ولمدى قدرته على الحفاظ على التوازن بين المسؤولية والضمير وبين قوة القرار واحترام الآخرين.
فكم من شخص دخل عالم المسؤولية متواضعا حريصا على الاستماع إلى الناس ثم تغيرت طريقة تعامله بعدما أصبح محاطا بالمساعدين والمصفقين وأصحاب المصالح.
إن السؤال الذي يستحق النقاش اليوم هو: هل تجعل السلطة الإنسان يفقد صوابه أم أنها تكشف جوانب من شخصيته لم تكن ظاهرة قبل وصوله إلى مواقع النفوذ؟
آلان دونو و«نظام التفاهة».. قراءة في آليات إنتاج النفوذ
في كتابه «نظام التفاهة» (La Médiocratie) يطرح الفيلسوف الكندي آلان دونو نقدا للأنظمة الاجتماعية والإدارية والاقتصادية التي قد تمنح الأفضلية لمن يتكيفون مع قواعدها حتى عندما لا تكون الكفاءة الفكرية أو الاستقلالية في مقدمة معايير التقدم.
ويناقش كيف يمكن للوظائف والإجراءات والمؤسسات أن تتحول إلى منظومات تفرض الامتثال وتحد من التفكير النقدي والمبادرة المستقلة.
ولا يعني مفهوم «نظام التفاهة» أن كل من يتولى منصبا عاما يفتقر إلى الكفاءة أو أن كل مسؤول يسعى إلى السلطة تحركه المصالح الشخصية.
فالفكرة الأساسية تتعلق بالنظام الذي قد يكافئ الانسجام مع المصالح السائدة أكثر مما يكافئ الجرأة الفكرية والقدرة على النقد.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الإشكال الذي يرافق ممارسة السلطة: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من جودة القرار وعندما تتحول الطاعة إلى معيار للترقي قد يجد المسؤول نفسه داخل دائرة مغلقة لا تصله منها إلا المعلومات التي يرغب المحيطون به في إيصالها.
وفي مثل هذه الظروف لا تعود المشكلة مرتبطة بشخص المسؤول وحده بل تمتد إلى البيئة المؤسساتية التي تحيط به وإلى طبيعة القواعد التي تحدد من يتقدم ومن يتراجع ومن يستطيع التعبير عن رأيه دون خوف من فقدان موقعه.
من خدمة المواطنين إلى البحث عن الولاء
تبدأ بعض التحولات في سلوك المسؤول عندما يخلط بين احترام المنصب واحترام شخصه. فالمواطن الذي يتوجه إلى الإدارة من أجل خدمة قانونية لا ينبغي أن يشعر بأنه يطلب امتيازا شخصيا من المسؤول كما أن الموظف الذي يؤدي واجبه لا ينبغي أن يتعامل مع صلاحياته باعتبارها ملكية خاصة.
لكن الواقع قد يشهد حالات يصبح فيها الوصول إلى المسؤول أكثر أهمية من احترام المساطر وتتحول العلاقة بين المواطن والإدارة إلى علاقة قائمة على الوساطة والولاء بدلا من القانون وتكافؤ الفرص.
وعندما يعتاد صاحب القرار أن يسمع عبارات الثناء في كل مناسبة وأن يجد من يبرر قراراته مهما كانت نتائجها فقد تتراجع لديه الرغبة في مراجعة اختياراته أو الاستماع إلى الأصوات المخالفة.
إن الخطر هنا لا يتمثل في أن المسؤول أصبح بالضرورة مصابا باضطراب نفسي بل في احتمال نشوء سلوك سلطوي يضعف التواصل ويجعل النقد يبدو لصاحبه تهديدا شخصيا بدل اعتباره فرصة لتصحيح الأخطاء.
هل يصنع المنصب إنسانا مختلفا؟
لا توجد قاعدة علمية تقول إن السلطة تجعل كل إنسان متسلطا أو تفقده القدرة على التفكير السليم.
فالسلوك البشري يتأثر بعوامل متعددة منها الشخصية السابقة والبيئة الاجتماعية وطبيعة المسؤولية وحجم الضغوط وآليات الرقابة والمحاسبة.
وقد تمنح المسؤولية بعض الأشخاص ثقة أكبر في اتخاذ القرار وتساعدهم على توسيع رؤيتهم للمشكلات العامة.
وفي المقابل قد تدفع آخرين إلى المبالغة في تقدير نفوذهم، خصوصا عندما تغيب المحاسبة وتصبح القرارات محاطة بالتبرير المستمر.
لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان المنصب يغير الإنسان بالضرورة بل ما إذا كانت المؤسسات المحيطة به تسمح له بممارسة سلطته دون ضوابط فعالة.
فالمسؤول الذي يعلم أن قراراته خاضعة للمراجعة وأن القانون يسري عليه كما يسري على غيره تكون أمامه حوافز أكبر للتفكير في النتائج وتحمل المسؤولية.
أما عندما تغيب الرقابة ويضعف التواصل مع المواطنين فإن خطر الانغلاق وتضارب المصالح يصبح أكثر حضورا.
المحيطون بالمسؤول.. حين يصبح التصفيق بديلا عن الحقيقة
لا يمكن فهم سلوك بعض أصحاب النفوذ من دون النظر إلى الأشخاص الذين يحيطون بهم. فالمستشارون والمساعدون والموظفون والفاعلون الذين يتواصلون مع المسؤول يؤدون دورا مهما في تشكيل المعلومات التي تصل إليه وفي تحديد طبيعة النقاش داخل محيطه.
وإذا كان هذا المحيط يضم أشخاصا قادرين على الاختلاف وتقديم الملاحظات المهنية فإن المسؤول يستفيد من تعدد وجهات النظر. أما إذا تحول إلى دائرة مغلقة لا تسمح إلا بالتأييد فقد يجد صاحب القرار صعوبة في التمييز بين الدعم الحقيقي والمجاملة المرتبطة بالمصلحة.
وهنا يبرز أحد أهم دروس الفلسفة السياسية والإدارة الحديثة: قوة المسؤول لا تقاس بعدد الذين يوافقونه بل أيضا بقدرته على الاستماع إلى من يعارضونه ومراجعة قراراته عندما تظهر معطيات جديدة.
فالمعارضة داخل المؤسسات ليست بالضرورة عائقا أمام العمل كما أن الاختلاف لا يعني دائما وجود خصومة شخصية.
وقد يكون النقد المهني أحد أهم الوسائل التي تمنع الأخطاء من التحول إلى أزمات.
السلطة والمسؤولية في الحياة السياسية
في المجال السياسي تتضاعف أهمية هذا النقاش لأن القرارات لا تمس صاحب المنصب وحده بل قد تؤثر في حياة آلاف المواطنين أو ملايينهم.
فالمسؤول العمومي مطالب بتقديم تفسير لقراراته واحترام القواعد القانونية وتدبير المال العام وفق المصلحة العامة والتفاعل مع الأسئلة المشروعة التي يطرحها المواطنون ووسائل الإعلام.
ولا ينبغي أن تتحول المسؤولية السياسية إلى امتياز يحصن صاحبه من النقد كما لا ينبغي أن يتحول النقد الصحفي إلى وسيلة لإصدار أحكام شخصية دون أدلة. فالعلاقة السليمة بين الإعلام والسلطة تقوم على الحق في المعلومة واحترام الوقائع وحق الرد والمساءلة المهنية.
ومن هنا فإن اختبار المسؤول الحقيقي لا يبدأ يوم تعيينه بل يظهر خلال ممارسته لمهامه، عندما يواجه قرارا صعبا أو انتقادا علنيا أو خطأ يستوجب التصحيح.
هل يستطيع الاعتراف بأن قراره لم يكن صائبا؟
وهل يقبل أن يشرح للمواطنين أسباب اختياراته؟
وهل يحترم المؤسسات التي تراقب عمله؟
هذه الأسئلة أكثر فائدة من الاكتفاء بوصف المسؤول بالغرور أو التسلط.
من آلان دونو إلى واقع المؤسسات: المشكلة أعمق من الأشخاص
تكمن أهمية أفكار آلان دونو في أنها تدعو إلى النظر في البنية التي تنتج السلوك وليس في الأشخاص بمعزل عن محيطهم.
فحين تكافئ المؤسسة الامتثال الأعمى وتهمش الكفاءة المستقلة وتربط الترقي بالقرب من مراكز النفوذ فإنها قد تخلق ظروفا تسمح باستمرار الممارسات نفسها حتى لو تغيرت الوجوه والأسماء.
وهذا يعني أن إصلاح المؤسسات لا يمكن أن يعتمد فقط على استبدال مسؤول بآخر بل يحتاج إلى قواعد واضحة للتوظيف والترقي وشفافية في اتخاذ القرار ورقابة فعالة وتقييم موضوعي للأداء وحماية حق الموظفين والمواطنين في التعبير عن الملاحظات المشروعة.
كما أن محاربة تضارب المصالح والتمييز في المعاملة وتسهيل الوصول إلى المعلومات وتعزيز استقلالية آليات التظلم، كلها إجراءات تساعد على الحد من تحول السلطة إلى وسيلة لخدمة المصالح الضيقة.
إن بناء المؤسسات القوية لا يتطلب مسؤولين لا يخطئون فهذا أمر غير واقعي، بل يتطلب مؤسسات تستطيع اكتشاف الخطأ وتصحيحه، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار التجاوزات.
الخلاصة: المسؤولية تكشف معدن الإنسان وتختبر قوة المؤسسات
إن السلطة لا تجعل الإنسان مجنوناً بالمعنى الطبي للكلمة ولا يمكن اعتبار التسلط أو الغرور دليلا تلقائيا على وجود اضطراب نفسي.
لكنها قد تضع الإنسان أمام اختبار صعب، خصوصا عندما يمتلك صلاحيات واسعة ويجد نفسه محاطا بمن يوافقونه باستمرار.
وقد تكشف المسؤولية عن قيم كانت راسخة لدى صاحبها كما قد تظهر جوانب من سلوكه لم تكن واضحة قبل توليه المنصب.
غير أن النتيجة لا تتوقف على شخصية الفرد وحدها بل تتأثر أيضا بمدى قوة القانون واستقلالية الرقابة وثقافة الاختلاف وقدرة المؤسسات على فرض المحاسبة.
أما الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من النقاش الذي يفتحه كتاب «نظام التفاهة» فهو أن الخطر لا يكمن فقط في شخص قد يسيء استخدام السلطة بل أيضا في نظام قد يكافئ الصمت ويهمش النقد ويجعل الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق المصلحة العامة.
فالسلطة الحقيقية ليست أن يخافك الآخرون ولا أن يصفقوا لك في كل مناسبة بل أن تمتلك الشجاعة للاستماع إلى الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة وأن تقبل المحاسبة حتى عندما تكون في موقع القرار.

التعليقات مغلقة.