أقرّ المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، بوصول المفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع إلى طريق مسدود، رغم التقدم الذي تحقق خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، داعياً مجلس الأمن الدولي إلى توضيح الإطار السياسي للمفاوضات المقبلة، مع جعل الحكم الذاتي الحقيقي أساساً للنقاش، شريطة ضمان حق تقرير المصير وتوفير ضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاق محتمل.
وجاء ذلك خلال إحاطة قدمها دي ميستورا، الخميس 8 أكتوبر الجاري، أمام مجلس الأمن الدولي، أكد فيها أن الجهود الدبلوماسية التي بذلها خلال السنوات الخمس الماضية لم تنجح في تجاوز الخلافات الجوهرية بين الأطراف، رغم عقد ثلاث جولات من المفاوضات رفيعة المستوى في واشنطن ومدريد خلال الربع الأول من السنة الجارية.
وأوضح المبعوث الأممي أنه كان يتبنى تفاؤلاً حذراً بشأن إمكانية إحراز تقدم، عقب استئناف العملية السياسية في يناير الماضي، غير أن المفاوضات اصطدمت بعراقيل حالت دون تحقيق اختراق حاسم، ما يستدعي، بحسب تقديره، تدخلاً من مجلس الأمن لتوضيح المسار السياسي المقبل.
وكشف دي ميستورا أن المغرب قدم مشروعاً موسعاً للحكم الذاتي يتكون من 39 صفحة، معتبراً أنه يوفر أساساً متيناً للتفاوض، لكنه شدد على أن الوثيقة لا تمثل اتفاقاً نهائياً، وأن تحويلها إلى تسوية مقبولة يتطلب مفاوضات إضافية وتوافقاً بشأن تفاصيلها.
ودعا المبعوث الأممي مجلس الأمن إلى إزالة الغموض الذي يحيط بالقرار 2797، معتبراً أن المرحلة الحالية تستدعي تحديداً أوضح للإطار السياسي الذي ستجري في نطاقه المفاوضات المقبلة، بما يتيح للأطراف مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي واستكشاف فرص التوصل إلى حل سياسي.
وفي هذا السياق، أكد أن أي صيغة للحكم الذاتي ينبغي أن تتجاوز الطابع الشكلي، وأن تقوم على مؤسسات تتمتع بصلاحيات فعلية تمكّن سكان الإقليم من تدبير شؤونهم اليومية، والمشاركة في إدارة الخدمات العمومية والأنشطة الاقتصادية والتجارية، إلى جانب الاضطلاع بالمسؤوليات القضائية والأمنية.
تقرير المصير وضمانات دولية
وشدد دي ميستورا على أن أي تسوية قائمة على الحكم الذاتي يجب أن تستند إلى ثلاثة شروط أساسية، تتمثل في توفير حكم ذاتي حقيقي بصلاحيات ملموسة، وإخضاعه لعملية ذات مغزى لتقرير مصير سكان الصحراء، فضلاً عن ضمانات دولية قوية تكفل تنفيذ الاتفاق واستمراره.
كما أكد ضرورة إشراك جبهة البوليساريو وصحراويين آخرين في تدبير شؤون الإقليم، مع وضع ضمانات تحول دون إلغاء نظام الحكم الذاتي أو تقويضه بقرارات إدارية أحادية.
واعتبر أن الصحراويين ينبغي أن تتاح لهم فرصة الاطلاع على تفاصيل المقترح ومناقشته والتشاور بشأنه، مؤكداً أن الحكم الذاتي لا يمكن فرضه ببساطة على سكان الصحراء الغربية، وأن أي اتفاق محتمل يتطلب مساراً يضمن مشاركتهم الفعلية في تحديد مستقبل المنطقة.
وفي تطور مرتبط بالمسار السياسي، كشف المبعوث الأممي عن مبادرة أعدها بالتنسيق مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، تتيح للاجئين الصحراويين القيام بزيارات فردية وطوعية إلى مدينتي العيون والداخلة.
وأوضح أن المبادرة عُرضت على جبهة البوليساريو في رسالة مؤرخة في 2 شتنبر الماضي، موقعة من دي ميستورا والمفوض السامي لشؤون اللاجئين والسفير الأمريكي مايك والتز، بهدف تمكين اللاجئين من الاطلاع المباشر على الأوضاع في الإقليم وطرح أسئلة بشأن مشروع الحكم الذاتي.
وأضاف أن الجبهة ردت على الرسالة في 14 شتنبر، معربة عن استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتسهيل تنفيذ المبادرة، وهو ما اعتبره المبعوث الأممي مؤشراً على انفتاح يمكن البناء عليه لتوسيع النقاش حول مستقبل المنطقة.
ودعا دي ميستورا إلى عدم إغفال أوضاع اللاجئين في مخيمات تندوف والصحراويين المقيمين في بلدان أخرى، ولا سيما موريتانيا، عند بحث أي تسوية سياسية للنزاع.
وفي ختام إحاطته، دعا المبعوث الأممي المغرب وجبهة البوليساريو إلى إبداء مرونة أكبر والانخراط في مفاوضات منسقة وبحسن نية، بهدف استكشاف إمكانية التوصل إلى صيغة للحكم الذاتي تستجيب لشروط التسوية السياسية.
وأوضح أن المطلوب من البوليساريو ليس القبول الفوري بالمقترح المغربي، وإنما مناقشة مضامينه وطرح الأسئلة بشأنه والمطالبة بتوضيح بنوده وتحسينها، مع تقديم مقترحات بناءة بشأن تفاصيله، معرباً عن أمله في أن تنخرط الجبهة في هذه الخطوة قبل نهاية السنة الجارية.
وفي المقابل، شدد على أن التوصل إلى اتفاق لن يكون ممكناً دون مرونة تاريخية وشجاعة من الطرفين، بما في ذلك المغرب، معتبراً أن المرحلة الحالية تتطلب تحركاً سياسياً يعيد إطلاق المفاوضات ويمنحها فرصاً أكبر لتحقيق تقدم ملموس.
وتأتي هذه الإحاطة في سياق الاستعداد لمناقشة مجلس الأمن الدولي قراره المقبل بشأن الصحراء، وسط مساعٍ دبلوماسية لإحياء العملية السياسية المتعثرة. وتبرز مواقف دي ميستورا توجهاً نحو وضع الحكم الذاتي في صلب المفاوضات المقبلة، مع التأكيد على أن المقترح المغربي يظل أساساً للتفاوض وليس اتفاقاً نهائياً، وأن أي تسوية ستحتاج إلى توافق سياسي وضمانات دولية ومشاركة فعلية للسكان في تحديد مستقبل الإقليم.

التعليقات مغلقة.