لا تُقاس أهمية الخطابات الملكية بما تتضمنه من توجيهات وإعلانات فحسب بل بما تكشف عنه من أولويات المرحلة وبما تطرحه من أسئلة حول قدرة المؤسسات على تحويل الاختيارات الكبرى إلى نتائج ملموسة. ومن هذا المنطلق يتيح الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة يوم 9 أكتوبر 2026 قراءة تتجاوز الوقوف عند مضامينه المباشرة نحو استكشاف ما بين التوجهات المعلنة وتحديات تنزيلها على أرض الواقع.
فالخطاب لا يُقرأ بمعزل عن السياق الذي يأتي فيه ولا عن انتظارات المواطنين ولا عن طبيعة المرحلة التي تدخلها المؤسسات المنتخبة كما أن القراءة الموضوعية لا تفترض البحث عن إشادة جاهزة أو نقد مسبق وإنما تقتضي مساءلة الأولويات وفهم دلالاتها واستحضار الشروط الضرورية لإنجاحها.
من الاعتزاز بالوطن إلى مسؤولية الإنجاز
يحمل الاعتزاز بما حققه المغرب من تحولات ومكتسبات معنى يتجاوز الاحتفاء بالمنجزات إذ يضعها في الوقت نفسه أمام مسؤولية المحافظة عليها وتطويرها وتوسيع أثرها. فالمكانة التي يطمح إليها البلد لا تنفصل عن قدرته على جعل التنمية أكثر شمولاً وعلى ضمان أن ينعكس التقدم الاقتصادي والمؤسساتي على الحياة اليومية للمواطنين.
وهنا تبرز إحدى أهم زوايا القراءة : ليس السؤال ما إذا كانت هناك مشاريع كبرى أو طموحات استراتيجية بل كيف تتوزع ثمارها وما مدى انعكاسها على فرص العمل وجودة الخدمات والقدرة الشرائية والإحساس بالأمان الاجتماعي.
فنجاح التنمية لا يُقاس بحجم الاستثمارات وحده ولا بعدد المشاريع المعلنة وإنما أيضاً بقدرتها على إحداث تغيير محسوس في حياة الناس وبين المؤشرات الوطنية والتجارب اليومية للمواطنين قد تظهر فجوة لا يمكن تجاهلها بل ينبغي جعلها مدخلاً لتقييم السياسات العمومية.
الطموح الاقتصادي وسؤال العدالة الاجتماعية
يضع الخطاب قضايا الأمن المائي والطاقي والغذائي إلى جانب التصنيع والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن رهانات المستقبل وهي اختيارات تعكس إدراكاً للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم ولحاجة المغرب إلى تعزيز قدرته على الإنتاج والتنافسية وتقليص مواطن الهشاشة.
لكن أهمية هذه الرهانات لا تكمن في حداثة عناوينها فقط بل في شروط تحويلها إلى فرص حقيقية فالتقدم في المجالات الصناعية والرقمية مثلاً يحتاج إلى تكوين ملائم وربط أفضل بين التعليم وسوق الشغل وتشجيع الابتكار وتهيئة بيئة تتيح للمقاولات الاستثمار والاستمرار وخلق وظائف مستقرة.
كما أن الأمن المائي والغذائي لا يتعلقان بالقدرات التقنية وحدها بل بمدى استدامة الخيارات وعدالة توزيع الموارد وحماية الفئات والمناطق الأكثر تأثراً بالتغيرات المناخية والاقتصادية.
وهنا يفرض سؤال العدالة الاجتماعية نفسه : هل تستطيع المشاريع الكبرى أن تتجاوز أثرها الاستثماري المباشر لتصبح رافعة لتحسين شروط العيش وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي والحد من التفاوتات بين الفئات والمجالات الترابية؟
إن التحدي لا يكمن في الاختيار بين النمو الاقتصادي والإنصاف الاجتماعي بل في بناء علاقة متكاملة بينهما بحيث يصبح النمو وسيلة لتحسين حياة المواطنين لا مؤشراً منفصلاً عن واقعهم.
الشباب والثقة في المؤسسات : امتحان النتائج
تحتل قضية الشباب موقعاً أساسياً في أي نقاش جاد حول مستقبل التنمية فالشباب لا يحتاجون إلى الاعتراف بأهميتهم في الخطاب العام فقط بل إلى مسارات واضحة تتيح لهم التكوين والعمل والاستقلال المادي والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ولا تعني هذه المؤشرات اختزال واقع سوق الشغل في رقم واحد لكنها تضع السياسات العمومية أمام سؤال جوهري : كيف يمكن الانتقال من خلق فرص العمل إجمالاً إلى ضمان فرص أكثر استقراراً وملاءمة لتطلعات الشباب ومؤهلاتهم؟
فالتحدي لا يرتبط بالتشغيل وحده وإنما أيضاً بجودة الوظائف وبالقدرة على إدماج حاملي الشهادات وبالتفاوتات بين المدن والقرى وبمدى قدرة الاقتصاد على استيعاب الطاقات الجديدة.
ومن هنا فإن قياس أثر البرامج التنموية ينبغي ألا يقتصر على حجم الاستثمارات والمشاريع المنجزة بل أن يشمل عدد فرص الشغل المستدامة وشروط الولوج إليها ومدى وصول آثارها إلى الفئات التي تواجه صعوبات أكبر في الاندماج.
إن الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالخطاب وحده إنها تتعزز عندما يلمس المواطن أن السياسات المعلنة قادرة على تغيير واقعه وأن الانتظارات تتحول تدريجياً إلى نتائج قابلة للقياس.

التعليقات مغلقة.