أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

المغرب في مرآة الصحافة الفرنسية.. الانتخابات بين تجديد النخب وأزمة الثقة السياسية

"جريدة أصوات" بقلم الأستاذ "محمد عيدني"

لم تعد متابعة الصحافة الفرنسية للشأن السياسي المغربي تقتصر على رصد نتائج الانتخابات أو نقل أخبار التعيينات الحكومية بل أصبحت تتجه في عدد من التحليلات والتقارير، إلى مساءلة طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية والمواطنين ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تجديد الثقة في العمل السياسي في سياق تتداخل فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية مع رهانات الإصلاح الديمقراطي.
وتقدم التغطية التي نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية بشأن الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، نموذجا واضحا لهذا الاهتمام إذ ركزت على نسبة المشاركة وإعادة ترتيب موازين القوى الحزبية، ومستقبل الأغلبية الحكومية فضلا عن مكانة المرأة في المؤسسات المنتخبة.

غير أن قراءة هذه المواد الإعلامية تقتضي التمييز بين الوقائع التي أوردتها الصحيفة، والتحليلات التي قدمها مراسلوها أو استندوا فيها إلى آراء باحثين ومحللين وبين الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذه المعطيات في إطار نقاش وطني مسؤول.

المشاركة الانتخابية.. الرقم الذي يستحق قراءة متأنية

من أبرز الأرقام التي توقفت عندها الصحافة الفرنسية نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية التي بلغت 38 في المائة وفق ما أوردته «لوموند» في تقريرها المنشور يوم 24 شتنبر 2026 حول نتائج الاقتراع.
ويستدعي هذا الرقم نقاشا يتجاوز المقارنة الإحصائية مع الانتخابات السابقة لأن المشاركة الانتخابية ليست مجرد إجراء تقني لقياس عدد المتوجهين إلى صناديق الاقتراع وإنما تعكس ضمن عوامل أخرى طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات السياسية ومدى اقتناعه بجدوى التصويت وقدرته على التأثير في السياسات العمومية.

لكن من الضروري أيضا عدم اختزال أسباب المشاركة المحدودة في تفسير واحد.

فالعزوف الانتخابي قد يرتبط بتراجع الثقة في الأحزاب، أو بضعف التواصل السياسي أو بتصورات المواطنين بشأن محدودية أثر الانتخابات في حياتهم اليومية كما قد يتأثر بعوامل اجتماعية وجغرافية وبطبيعة المنافسة والمرشحين المعروضين على الناخبين.
ومن هنا فإن التحدي المطروح أمام الفاعلين السياسيين لا يتمثل في الدفاع عن النتائج الانتخابية فحسب بل في فهم الرسائل التي يمكن أن تحملها المشاركة المحدودة والعمل على تحويل الاستحقاقات الانتخابية إلى مناسبة فعلية لتجديد التعاقد السياسي بين المواطنين وممثليهم.
فالمواطن الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة أو صعوبات الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية أو تحديات التشغيل والسكن ينتظر من الخطاب السياسي أن يقدم أجوبة قابلة للتنفيذ لا أن يكتفي بالوعود العامة والشعارات الموسمية.

الأحزاب السياسية.. مسؤولية تتجاوز الفوز بالمقاعد

في تحليل نشرته «لوموند» يوم 25 شتنبر 2026 بعنوان يتناول خطر إفراغ الأحزاب السياسية من حيويتها في منطقة المغرب العربي ربط الكاتب فريديريك بوبان بين ضعف المشاركة في الانتخابات المغربية وبين أزمة أوسع تتعلق بعلاقة الناخبين بالعرض الحزبي.
وتظل هذه القراءة تحليلا صحفيا ينبغي مناقشته في ضوء الوقائع الوطنية لا اعتباره حكما نهائيا على الحياة السياسية المغربية. غير أنها تفتح بابا مشروعا للتساؤل عن قدرة الأحزاب على إنتاج أفكار جديدة وتجديد نخبها، وتقديم برامج تستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع.

فالعمل الحزبي لا يقاس فقط بعدد المقاعد المحصل عليها ولا بقدرة التنظيمات على بناء التحالفات وتوزيع المسؤوليات وإنما كذلك بمدى حضورها داخل المجتمع، وقدرتها على تأطير المواطنين، وفتح النقاش العمومي وتكوين كفاءات سياسية قادرة على تحمل المسؤولية.
كما أن تجديد النخب لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تغيير للأسماء والوجوه بل يجب أن يشمل طرق الاشتغال وآليات اتخاذ القرار وأساليب التواصل مع المواطنين ومدى الالتزام بالبرامج المعلنة خلال الحملات الانتخابية.
إن الحزب الذي ينجح في الوصول إلى المؤسسات يظل مطالبا بإثبات قدرته على ممارسة المسؤولية السياسية سواء كان في الأغلبية أو المعارضة.

فالفوز الانتخابي يمنح الشرعية التمثيلية في حدود القواعد الدستورية والقانونية لكنه لا يعفي من المحاسبة السياسية ولا يضمن وحده استمرار الثقة الشعبية.

إعادة ترتيب الخريطة الحزبية.. ماذا تعني النتائج؟

أوردت «لوموند» في تقريرها المنشور يوم 24 شتنبر 2026 أن حزب الأصالة والمعاصرة تصدر نتائج الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395 مقعدا بمجلس النواب كما تناول التقرير عودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المنافسة مقارنة بنتائجه في انتخابات 2021.
وتكشف هذه المعطيات عن إعادة ترتيب داخل المشهد الحزبي لكنها لا تعني في حد ذاتها أن جميع الاختلالات التي كانت موضوع النقاش العمومي قد وجدت طريقها إلى الحل.

فالنتائج الانتخابية تحدد التمثيلية داخل المؤسسة التشريعية بينما تظل فعالية العمل السياسي مرتبطة بما ستفرزه مرحلة تشكيل الأغلبية، وبطبيعة البرنامج الحكومي ومدى انسجامه مع انتظارات المواطنين.
ومن المهم في هذا السياق عدم الخلط بين تصدر حزب للنتائج وبين امتلاكه أغلبية مطلقة كما ينبغي التمييز بين عدد المقاعد والقدرة على بناء تحالف سياسي متماسك وقادر على تنفيذ برنامج واضح.
وتظل الممارسة الديمقراطية مرتبطة كذلك بوجود معارضة مسؤولة قادرة على مراقبة العمل الحكومي ومناقشة مشاريع القوانين وتقديم البدائل والدفاع عن القضايا التي تعتبرها ذات أولوية وطنية.

فالمؤسسات لا تكتسب قوتها من الأغلبية وحدها بل من توازن الأدوار، ووضوح المسؤوليات واحترام القواعد الدستورية ووجود نقاش عمومي يسمح بتقييم السياسات والنتائج بعيدا عن منطق التبرير المستمر أو المعارضة التي تكتفي برفض كل شيء.
المرأة في رئاسة الحكومة.. رمزية التعيين واختبار الممارسة
من بين القضايا التي حظيت باهتمام «لوموند» أيضا تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة، في تطور وصفته الصحيفة بأنه سابقة في تاريخ رئاسة الحكومة المغربية. وقد تناول تقرير نشر يوم فاتح أكتوبر 2026 هذا التعيين في علاقته بواقع تمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة.
وبحسب الأرقام التي أوردتها الصحيفة بلغ عدد النساء المنتخبات في مجلس النواب 107 من أصل 395 عضوا وهو ما يجعل مسألة التمثيلية النسائية حاضرة بقوة في النقاش حول المشاركة السياسية والمساواة في الوصول إلى مواقع القرار.
ولا شك أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يحمل دلالة رمزية ومؤسساتية، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً أعمق يتعلق بكيفية تحويل التمثيل إلى ممارسة فعلية للمسؤولية، وبمدى توسيع فرص النساء في مختلف مستويات التدبير والقرار.
فالتقدم في هذا المجال لا يقاس فقط بوصول شخصية نسائية إلى موقع مركزي وإنما كذلك بقدرة المؤسسات والأحزاب على ضمان تكافؤ الفرص، وإشراك النساء في مراكز القرار المحلية والوطنية وتجاوز الحواجز التي قد تحد من حضورهن في الحياة السياسية.
كما أن تقييم التجربة الحكومية ينبغي أن يستند إلى البرنامج والقرارات والنتائج لا إلى جنس المسؤول أو رمزية تعيينه وحدها.

فالمعيار الأساسي في العمل العمومي هو احترام القانون، وجودة التدبير والقدرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين مع إيلاء أهمية خاصة لسياسات المساواة وتكافؤ الفرص.

الصحافة الفرنسية والمغرب.. بين نقل الوقائع وبناء التأويل

إن متابعة ما تنشره الصحافة الفرنسية عن المغرب تتيح فرصة لفهم الطريقة التي تقرأ بها التطورات الوطنية خارج الحدود لكنها تتطلب في الوقت ذاته التعامل النقدي مع الاختيارات التحريرية وزوايا المعالجة.
فالصحيفة تختار موضوعاتها وفق أولوياتها المهنية واهتمامات جمهورها، وخطها التحريري كما أن المقال التحليلي لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها الخبر المباشر.

وقد يعرض التقرير وقائع موثقة، ثم يقدم تفسيرا لها على لسان باحث أو محلل من دون أن يعني ذلك أن جميع استنتاجاته تمثل حقيقة نهائية أو موقفا موحدا للصحافة الفرنسية.
ولهذا فإن التعامل المهني مع هذه التغطيات يقتضي الرجوع إلى المقال الأصلي والتحقق من تاريخ نشره وفحص الأرقام التي يتضمنها والتمييز بين ما تنقله الصحيفة بوصفه واقعة وبين ما تعرضه باعتباره رأيا أو تحليلا.
كما أن اختزال الإعلام الفرنسي في موقف واحد من المغرب سيكون تبسيطا غير دقيق لأن المؤسسات الصحفية تختلف في توجهاتها وأساليبها واهتماماتها.

 

ولا يمكن اعتبار مقال واحد ممثلا لجميع الصحف الفرنسية أو لجميع الآراء داخل المجتمع الفرنسي.
وفي المقابل لا ينبغي أن تتحول أي ملاحظة نقدية واردة في الإعلام الأجنبي إلى سبب لرفض النقاش أو التشكيك المسبق في دوافع الصحفيين.

فالرد المهني على التحليل الصحفي يكون بتقديم المعطيات الدقيقة وتصحيح الأخطاء إن وجدت وشرح السياق الوطني، وفتح المجال أمام تعدد الآراء.

السياسة والانتظارات الاجتماعية.. الامتحان الحقيقي

مهما اختلفت زوايا تناول الانتخابات المغربية في الإعلام الوطني أو الدولي فإن السؤال الأكثر أهمية يظل مرتبطا بمدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تحسين شروط العيش وتعزيز الثقة في العمل العمومي.
فالمواطن لا يتابع السياسة باعتبارها مجرد صراع بين الأحزاب على المقاعد والمواقع بل يربطها بقدرته على الحصول على تعليم جيد وخدمات صحية ملائمة وفرص شغل مستقرة وإدارة تحترم وقته وحقوقه وعدالة مجالية تقلص الفوارق بين المدن والقرى.
ومن هنا، فإن المرحلة السياسية الجديدة مطالبة بتقديم برنامج حكومي واضح الأولويات محدد الأهداف والآجال وقابل للتقييم من خلال مؤشرات معلنة.

كما أن التواصل مع الرأي العام يجب أن يتجاوز المناسبات الرسمية إلى شرح القرارات وتقديم حصيلة دورية والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المواطنون بشأن تنفيذ الالتزامات.
ويظل البرلمان بدوره فضاء أساسيا لمراقبة السياسات العمومية ومناقشة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية وتقييم أداء الحكومة.

فكلما كانت النقاشات البرلمانية مرتبطة بقضايا المواطنين الفعلية زادت فرص تعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية.
أما الأحزاب فهي مطالبة باستعادة دورها التأطيري، والانفتاح على الشباب والكفاءات، وتطوير آليات اختيار المرشحين وتعزيز الشفافية الداخلية، والابتعاد عن تحويل السياسة إلى موسم انتخابي ينتهي بانتهاء التصويت.

نحو قراءة مغربية مستقلة للمشهد السياسي

إن أهمية ما تنشره الصحافة الفرنسية عن المغرب لا تكمن في أن تتحول تلك التغطيات إلى مرجع وحيد لفهم الحياة السياسية الوطنية وإنما في كونها مادة إضافية يمكن الاستفادة منها في المقارنة والتحليل واختبار الفرضيات.
فالمغرب يمتلك مؤسساته وخصوصياته الدستورية والاجتماعية والسياسية، كما أن تقييم مساره يقتضي الجمع بين المعطيات الرسمية، والبحث الأكاديمي، والعمل الصحفي الميداني وشهادات المواطنين ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية.
ولا يمكن بناء قراءة متوازنة للمشهد السياسي عبر الاكتفاء بما يكتب في الخارج كما لا يمكن الاستغناء عن متابعة ما يثار دوليا بشأن التجربة المغربية. المطلوب هو امتلاك القدرة على التمييز بين النقد المبني على الوقائع والتأويل الذي يحتاج إلى نقاش والأحكام العامة التي لا تسندها أدلة كافية.
إن الديمقراطية لا تختبر فقط في يوم الاقتراع، بل في ما يليه من ممارسة للمسؤولية، واحترام للقانون، ووفاء بالالتزامات، وقدرة على تصحيح الأخطاء. والانتخابات مهما كانت نتائجها لا تمثل نهاية النقاش السياسي، بل بداية مرحلة جديدة من المحاسبة والتقييم.

خلاصة القول إن الرسالة الأبرز التي يمكن استخلاصها من متابعة الصحافة الفرنسية للانتخابات المغربية هي أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بما تنتجه صناديق الاقتراع من أرقام بل كذلك بقدرتها على تحويل الشرعية الانتخابية إلى إنجازات ملموسة، واستعادة ثقة المواطنين وترسيخ سياسة عمومية تجعل الإنسان في صلب الأولويات.
فالمغرب ليس مطالبا بأن يرى نفسه من خلال مرآة الإعلام الخارجي وحدها، لكنه مدعو إلى الاستفادة من كل قراءة جادة وتصحيح ما يحتاج إلى التصحيح وتثمين ما يتحقق من تقدم ومواصلة النقاش الوطني حول الإصلاح والمسؤولية والمشاركة السياسية.

التعليقات مغلقة.