تطرح مشاورات تشكيل الحكومة المغربية أسئلة سياسية تتجاوز مجرد توزيع الحقائب الوزارية، لتلامس طبيعة التحالفات الحزبية وحدود التفاوض السياسي، ومدى قدرة الأحزاب على الدفاع عن استقلالية قرارها ومكانتها داخل المشهد المؤسساتي.
وفي خضم النقاش الدائر حول تركيبة الأغلبية الحكومية الجديدة، يبرز موقع حزب الحركة الشعبية، الذي تعود جذوره التنظيمية إلى سنة 1957، باعتباره أحد الأحزاب التاريخية في المغرب. فالحزب الذي راكم تجربة سياسية طويلة يجد نفسه اليوم أمام سؤال جوهري: هل ما زالت الأقدمية التاريخية والهوية السياسية تمنحان الأحزاب وزناً تفاوضياً مستقلاً، أم أن منطق الحسابات الانتخابية وترتيبات الأغلبية أصبح العامل الحاسم في تحديد مواقعها؟
إن الإشكال لا يتعلق فقط بالحصول على حقيبة وزارية أو الحرمان منها، بل بطبيعة الدور الذي تؤديه الأحزاب خلال مرحلة تشكيل الحكومة. فالمشاركة الحكومية ليست غاية في حد ذاتها، كما أن البقاء خارج الأغلبية لا يعني بالضرورة الإقصاء السياسي؛ إذ تتحدد قيمة الحزب بقدرته على تمثيل المواطنين، والدفاع عن برنامجه، والمساهمة في صياغة السياسات العمومية، سواء من موقع المسؤولية الحكومية أو من موقع المعارضة.
ومن هنا يمكن فهم الاستعارة التي تشبّه بعض الأحزاب بـ«أرنب السباق»، في إشارة نقدية إلى احتمال توظيف طرف سياسي لتحفيز بقية الأطراف على تسريع التفاوض أو تحسين شروطها، قبل أن يجد نفسه خارج الترتيبات النهائية. إنها صورة بلاغية تختزل مخاوف من أن تتحول المشاورات إلى منافسة غير متكافئة، يكون فيها بعض الفاعلين جزءاً من مسار التفاوض دون أن يضمنوا لأنفسهم موقعاً في نهايته.
لكن هذه القراءة، على قوتها التعبيرية، تظل تحليلاً سياسياً لا حقيقة ثابتة بشأن نيات الأطراف المعنية. فالحكم على ما جرى يقتضي الرجوع إلى التصريحات الرسمية، ومسار اللقاءات، والمواقف المعلنة للأحزاب، بدل الاكتفاء بالاستنتاجات أو تحميل المشاورات دلالات لا تسندها معطيات واضحة.
وبحسب البلاغ الصادر في 12 أكتوبر 2026، تم الإعلان عن تشكيل أغلبية حكومية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. ويضع هذا الترتيب الحركة الشعبية خارج التشكيلة المعلنة للأغلبية، وهو معطى يفتح النقاش حول معايير اختيار الشركاء، وحدود التقارب السياسي، وأثر الحسابات العددية والبرامجية في تحديد مكونات الحكومة.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن الرأي العام لا ينتظر مجرد معرفة أسماء الوزراء، بل يريد أن يفهم الأسس التي بُنيت عليها التحالفات، والالتزامات التي ستربط مكونات الأغلبية، والبرنامج الذي ستعمل الحكومة على تنفيذه. كما أن الأحزاب التي لم تدخل الأغلبية مطالبة بتوضيح موقفها السياسي، وتقديم تصور واضح لدورها خلال المرحلة المقبلة.
أما الحركة الشعبية، فإن التحدي المطروح أمامها لا يقتصر على تقييم حصيلة المشاورات، بل يشمل أيضاً مراجعة موقعها داخل الخريطة السياسية، وتحديد ما إذا كانت أولوياتها مرتبطة أساساً بالمشاركة الحكومية أم بتعزيز حضورها البرلماني والتنظيمي. فالحزب التاريخي لا يستمد وزنه من عدد الحقائب التي يحصل عليها فقط، وإنما من قدرته على تجديد خطابه، وتوسيع قاعدته الاجتماعية، وتقديم بدائل قابلة للنقاش والتنفيذ.
وفي المقابل، تتحمل القيادة المكلفة بتشكيل الحكومة مسؤولية توضيح منطق بناء الأغلبية، بما يعزز الثقة في المسار السياسي ويجعل الاختيارات المعلنة قابلة للفهم والمساءلة. فالتفاوض الحزبي حق مشروع، لكن الشفافية في عرض المبادئ العامة للتحالفات تظل ضرورية لتقوية الصلة بين المؤسسات والمواطنين.
إن السياسة لا تختزل في سباق نحو الكراسي، ولا ينبغي أن تتحول الحقائب الوزارية إلى المعيار الوحيد لقياس نجاح الأحزاب أو إخفاقها. فالمشاركة الحكومية مسؤولية، والمعارضة مسؤولية أيضاً، والاختبار الحقيقي لأي تنظيم سياسي هو مدى قدرته على ترجمة حضوره إلى مواقف وبرامج تخدم المواطنين.
وفي نهاية المطاف، قد تكون استعارة «أرنب السباق» مثيرة للنقاش، لكنها تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تدفع إلى مساءلة قواعد التفاوض والتحالف، لا عندما تتحول إلى حكم نهائي على نيات الفاعلين. فالمشهد السياسي المغربي يحتاج إلى أحزاب قوية في مواقفها، واضحة في اختياراتها، وقادرة على إقناع المواطنين بأن العمل السياسي يتجاوز البحث عن موقع داخل الحكومة إلى التنافس على تقديم الحلول

التعليقات مغلقة.