عاد النقاش الذي رافق تدبير الجلسة الافتتاحية المخصصة لانتخاب رئيس مجلس النواب المغربي طرح سؤال جوهري يتعلق بمعايير اختيار من يتولى الإشراف المؤقت على هذه المحطة الدستورية المهمة، ومدى ملاءمة القواعد المنظمة لها مع متطلبات العمل البرلماني في مغرب اليوم.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل المؤسسة التشريعية واجهة للديمقراطية والتمثيل السياسي، أثارت الصعوبات التي نُسبت إلى رئيس الجلسة المؤقت في تدبير بعض إجراءاتها تساؤلات بشأن العلاقة بين الأقدمية والكفاءة، وبين احترام القواعد التنظيمية وضمان السير السليم للمؤسسات.
إن النقاش هنا لا يتعلق بشخص بعينه، ولا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة فردية أو انتقاص من كرامة أي منتخب، بقدر ما يتعلق بإشكالية مؤسساتية تستحق النقاش الهادئ والمسؤول: هل يكفي معيار الأقدمية، في حد ذاته، لضمان حسن تدبير جلسة برلمانية تترتب عنها عملية انتخاب رئيس إحدى أهم المؤسسات الدستورية في البلاد؟
لقد أظهرت التجربة أن تدبير المؤسسات لا يرتبط بالسن وحده، كما لا يمكن اختزال الكفاءة في القدرة على القراءة أو الخطابة أمام الكاميرات. فالمسؤولية المؤسساتية تتطلب، إلى جانب المعرفة بالقواعد والإجراءات، القدرة على التواصل، وضبط إيقاع العمل، وفهم السياق السياسي، والتعامل مع المواقف الطارئة بما يحفظ هيبة المؤسسة واحترام اختصاصاتها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش بشأن أداء رئيس الجلسة المؤقت ينبغي أن يستند إلى الوقائع الموثقة، وإلى تقييم موضوعي لطريقة تدبير الجلسة ومدى احترام الإجراءات القانونية، بعيداً عن الأحكام الشخصية أو التوصيفات التي لا تستند إلى أدلة واضحة.
غير أن السؤال الأعمق يتجاوز أداء شخص واحد، ليصل إلى طبيعة المعايير التي تحكم تدبير المراحل الانتقالية داخل المؤسسات المنتخبة. فالمؤسسة البرلمانية ليست مجرد فضاء لتوزيع المقاعد أو استكمال الإجراءات الشكلية، وإنما هي سلطة دستورية تضطلع بمهام التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، فضلاً عن أدوار أخرى ينظمها الدستور والنظام الداخلي.
ومن هنا، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى الحاجة إلى تطوير قواعد تدبير الجلسات الافتتاحية، بما يضمن الجمع بين احترام النصوص القانونية وتحقيق الفعالية المؤسساتية، دون المساس بمبدأ المساواة بين النواب أو فتح الباب أمام تأويلات قد تخل بالتوازنات الديمقراطية.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأحزاب السياسية باعتبارها المدخل الأساسي لتكوين النخب وإعداد المرشحين لتحمل المسؤوليات العامة. فالحزب الذي يطمح إلى قيادة المؤسسات أو التأثير في القرار العمومي مطالب بأن يجعل الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية ضمن أولويات اختياراته السياسية، لا أن يكتفي بالحسابات الانتخابية الضيقة أو الاعتبارات المرتبطة بالتوازنات المحلية.
إن التزكية الحزبية ليست مجرد إجراء إداري يسمح للمرشح بخوض الانتخابات، بل هي مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه المواطنين الذين يمنحون أصواتهم للمرشحين على أساس الثقة في قدرتهم على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم. ولذلك، فإن من حق الرأي العام أن يناقش معايير اختيار المرشحين، وأن يسائل الأحزاب عن مدى استحضارها لمتطلبات العمل التشريعي والرقابي عند منح التزكيات.
ولا يعني ذلك أن المستوى الدراسي وحده ينبغي أن يتحول إلى معيار حاسم في تقييم المنتخبين، لأن الديمقراطية تقوم على المساواة في الحقوق السياسية، ولأن التجربة الميدانية والنزاهة والقدرة على الإنصات للمواطنين عناصر لا تقل أهمية عن الشهادات العلمية. لكن من الضروري، في المقابل، ألا تتحول هذه المبادئ إلى مبرر للتغاضي عن أي قصور في أداء المهام الدستورية أو عن عدم الاستعداد لتحمل مسؤوليات التمثيل النيابي.
فالمواطن الذي ينتخب ممثله لا ينتظر منه مجرد الحضور في الجلسات، وإنما ينتظر أن يكون قادراً على فهم النصوص القانونية، ومناقشة مشاريع القوانين، ومراقبة السياسات الحكومية، والدفاع عن المطالب الاجتماعية والاقتصادية لدائرته الانتخابية. وهذه مسؤوليات تتطلب تكويناً مستمراً، واستيعاباً للملفات الوطنية، وقدرة على التعامل مع التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع.
أما مسؤولية الناخب، فتظل بدورها جزءاً من النقاش الديمقراطي. فالاختيار الانتخابي ينبغي أن يستند إلى تقييم البرامج والكفاءات والحصيلة، وليس فقط إلى الروابط العائلية أو الاعتبارات القبلية أو الولاءات المحلية. غير أن تحميل الناخب وحده مسؤولية اختلالات التمثيل السياسي سيكون تبسيطاً للمشكلة، لأن جودة الاختيار ترتبط أيضاً بمدى توفر بدائل جادة، وبقدرة الأحزاب على تقديم مرشحين يستجيبون لتطلعات المواطنين.
وفي هذا الإطار، يطرح النقاش المتعلق بالجلسة الافتتاحية سؤالاً إضافياً بشأن القواعد القانونية المنظمة لتولي رئاسة الجلسة المؤقتة. فوفق المادة 47 من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2025، لا يقوم الاختيار على السن وحده، بل يُشعَر النائب الأكبر سناً من بين النواب الذين مارسوا المهمة النيابية لأكبر عدد من الولايات التشريعية المتتالية، وعند تعذر ذلك يُرجع إلى النائب الموالي في عدد الولايات التشريعية ثم في السن.
وتنص المادة 48 على أن الرئيس المؤقت يتولى تسيير الجلسات الخاصة بانتخاب رئيس المجلس بمساعدة المكتب المؤقت. أما المادة 51، فتحدد الإجراءات المتعلقة بفتح باب الترشيحات والإعلان عن قائمة المرشحين والشروع في عملية التصويت.
وهذا المعطى القانوني مهم، لأنه يفرض التمييز بين القاعدة المنظمة لتحديد من يتولى رئاسة الجلسة المؤقتة، وبين النقاش السياسي المتعلق بمدى كفاية هذه القاعدة لضمان أفضل أداء ممكن. كما يقتضي التمييز بين رئاسة الجلسة الافتتاحية المؤقتة ورئاسة مجلس النواب بعد انتخاب رئيسه، فهما مسؤوليتان مختلفتان من حيث الطبيعة والاختصاصات.
ومن ثم، فإن الدعوة إلى مراجعة هذه القواعد، إن طُرحت، ينبغي أن تمر عبر نقاش مؤسساتي واضح، يحدد أوجه القصور المحتملة ويقترح بدائل قابلة للتطبيق، مع احترام المقتضيات الدستورية والقانونية. فلا يمكن استبدال قاعدة قانونية بمعيار تقديري غير محدد، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام التأويلات والصراعات الحزبية، ويجعل تدبير الجلسة الافتتاحية خاضعاً للتجاذبات بدل الاحتكام إلى ضوابط واضحة.
وإذا كان احترام القانون يشكل أساس العمل البرلماني، فإن تطوير القواعد التنظيمية يظل أمراً مشروعاً متى أظهرت الممارسة الحاجة إليه. فالقوانين والأنظمة الداخلية ليست غاية في ذاتها، بل أدوات لتنظيم العمل المؤسساتي وضمان فعاليته. ويمكن، في هذا السياق، التفكير في تعزيز التكوين المسبق للنواب بشأن المساطر البرلمانية، وتوضيح الإجراءات المرتبطة بالجلسات الافتتاحية، وتوفير الدعم الإداري والتقني اللازم لتيسير تدبيرها.
كما أن الحديث عن الكفاءة داخل البرلمان ينبغي ألا يقتصر على رئيس الجلسة المؤقتة، بل يجب أن يشمل الأداء البرلماني برمته. فالمؤسسة التشريعية مطالبة بتطوير آليات الاشتغال، وتحسين جودة النقاش، وتعزيز التخصص داخل اللجان، والارتقاء بمستوى مراقبة السياسات العمومية، حتى تصبح الممارسة البرلمانية أكثر ارتباطاً بانشغالات المواطنين.
وفي زمن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى مؤسسات قادرة على استيعاب المعرفة وتحليل المعطيات ومواكبة التشريعات المتصلة بالاقتصاد والتكنولوجيا والأمن والسيادة الرقمية. ولم يعد مقبولاً أن يظل النقاش حول الكفاءة محصوراً في المظاهر الشكلية، بينما تتطلب المسؤوليات النيابية معرفة متجددة وقدرة على التعامل مع ملفات شديدة التعقيد.
لكن الاستفادة من التكنولوجيا لا تعني التقليل من قيمة التجربة الإنسانية أو إقصاء المنتخبين بسبب أعمارهم أو مستوياتهم الدراسية. المطلوب هو بناء منظومة مؤسساتية تجعل الكفاءة والتكوين المستمر والقدرة على تحمل المسؤولية عناصر أساسية في تطوير الأداء، مع الحفاظ على تكافؤ الفرص واحترام الإرادة الشعبية.
إن مسؤولية الأحزاب السياسية في هذا المسار لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسة التشريعية نفسها. فالأحزاب مطالبة بتطوير آليات التكوين والتأطير، وإعداد منتخبيها لممارسة المهام التشريعية والرقابية، وتوفير الدعم المعرفي والقانوني اللازم لهم. كما أن تقييم أدائها ينبغي أن يرتبط بمدى مساهمتها في تجديد النخب، وترسيخ الممارسة الديمقراطية، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
أما الأحكام القاسية التي قد تُوجَّه إلى منتخب بسبب ارتباك في تدبير جلسة أو صعوبة في أداء مهمة محددة، فلا ينبغي أن تحجب السؤال الحقيقي المتعلق بمسؤولية المؤسسات والأحزاب في توفير شروط النجاح. فالنقد السياسي يكون أكثر قيمة حين ينتقل من التشخيص الشخصي إلى مساءلة القواعد والاختيارات وآليات التكوين والمحاسبة.
وفي المحصلة، فإن النقاش الذي أثارته طريقة تدبير الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب يتيح فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين الأقدمية والكفاءة، وبين الشرعية الانتخابية ومتطلبات الأداء المؤسساتي. كما يفتح الباب أمام مساءلة الأحزاب عن معايير التزكية، والمنتخبين عن مستوى أدائهم، والمؤسسات عن مدى ملاءمة قواعدها التنظيمية للتحولات الراهنة.
إن البرلمان القوي لا يُبنى بإقصاء أصحاب التجربة، ولا بالاكتفاء بمعيار السن، ولا بالتعامل مع الكفاءة باعتبارها امتيازاً لفئة دون أخرى. بل يُبنى باحترام القانون، وتطوير آليات العمل، وتعزيز التكوين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
فالمطلوب اليوم ليس البحث عن أشخاص لتحميلهم وحدهم مسؤولية الاختلالات، وإنما بناء ممارسة برلمانية تجعل الكفاءة في خدمة الشرعية الديمقراطية، وتجعل الشرعية الديمقراطية مدخلاً إلى أداء مؤسساتي يليق بانتظارات المغاربة.

القادم بوست
التعليقات مغلقة.