أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

قانون المسطرة الجنائية الجديد توازن بين نجاعة التحقيق وضمانات الحقوق والحريات

بقلم: حبيل رشيد

يمثل التحقيق الإعدادي إحدى أكثر المراحل الإجرائية حساسية في هندسة العدالة الجنائية، بالنظر إلى ما يتيحه من سلطات قضائية ترمي إلى استجلاء الحقيقة، وجمع الأدلة، وتحديد المسؤوليات الجنائية، وما قد يترتب عن ممارستها من تقييد لحرية الأشخاص ومساس بحياتهم الخاصة ومراكزهم القانونية. ومن هذا المنطلق، يكتسي القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01 أهمية تتجاوز مراجعة بعض المقتضيات الإجرائية، لتمتد إلى إعادة ترتيب العلاقة بين متطلبات فعالية البحث الجنائي وضمانات المحاكمة العادلة، في سياق يتجه فيه التشريع الجنائي إلى ترشيد الاعتقال الاحتياطي، وتوسيع البدائل الإجرائية، وإدماج الوسائل الرقمية في الإثبات والمراقبة، مع إخضاع التدابير الأكثر مساساً بالحقوق والحريات لشروط قانونية محددة.
ويطرح هذا التحول سؤالاً مركزياً يتعلق بمدى قدرة الإصلاح التشريعي على تحقيق التوازن بين سلطة الدولة في ملاحقة الجريمة وحق الفرد في الحرية والأمن القانوني. فالمسألة تتجاوز صياغة قواعد جديدة إلى اختبار فعاليتها أمام الممارسة القضائية، ومدى وضوح شروط تطبيقها، وقدرة المؤسسات المكلفة بتنفيذها على ضمان احترامها. ذلك أن النص الإجرائي، مهما بلغت دقته، تظل قيمته العملية مرتبطة بمدى انسجامه مع الضمانات الدستورية، وبقدرته على منع التعسف وتحقيق الأمن القضائي وصيانة الحقوق الأساسية.
وفي هذا الإطار، تبرز المادة 52 من قانون المسطرة الجنائية في صيغتها الجديدة، من خلال إسناد تعيين قضاة التحقيق وإعفائهم إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، في اتجاه ينسجم مع استقلال السلطة القضائية ومقتضيات القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي. ويكتسي هذا المستجد أهمية مؤسساتية، بالنظر إلى طبيعة المهام المسندة إلى قاضي التحقيق، الذي يمارس اختصاصات تتصل باستنطاق المتهمين، والاستماع إلى الشهود، وإجراء المواجهات، والأمر بالخبرات والتفتيش، واتخاذ بعض التدابير المقيدة للحرية وفق الشروط القانونية.
غير أن تعزيز الاستقلال التنظيمي يثير، في المقابل، سؤالاً حول الضمانات العملية التي تحيط بممارسة هذه الوظيفة، ومدى توافر الموارد البشرية والتقنية اللازمة لتصريف الملفات في آجال معقولة. فاستقلال القاضي ينبغي أن يقترن بفعالية الإدارة القضائية، وجودة التكوين المستمر، وتوحيد الممارسات الإجرائية، بما يحد من تفاوت التأويل والتطبيق بين المحاكم، لأن استقلال القرار القضائي يكتسب معناه الكامل عندما يجد بيئة مؤسساتية قادرة على حمايته وتيسير تنفيذه.
ومن أبرز التحولات التي حملتها المادة 83 إعادة تحديد نطاق التحقيق الإعدادي، من خلال جعل إجرائه اختيارياً في الجنايات، وحصر التحقيق في الجنح ضمن الحالات التي يحددها القانون أو الجرائم التي تشملها المقتضيات المعنية. ويعكس هذا التوجه رغبة في ترشيد الإحالة على قضاء التحقيق، وتخفيف الضغط عن الملفات المعروضة عليه، وتسريع تصريف القضايا، مع تخصيص الموارد القضائية للملفات التي تستدعي بحثاً معمقاً بالنظر إلى طبيعة الوقائع وتعقد الأدلة وتعدد الأطراف.
ومع ذلك، فإن توسيع السلطة التقديرية في تحديد الحاجة إلى التحقيق يثير إشكالات عملية تتصل بمعايير الاختيار وضمانات المساواة في تطبيق القانون. فالجنايات قد تتسم بتعدد المساهمين، أو تشابك المصالح المالية، أو الاعتماد على أدلة رقمية وتقنية يصعب تقدير حجيتها دون خبرة متخصصة، الأمر الذي يجعل الاقتصار على البحث التمهيدي غير كافٍ في بعض الملفات. ومن ثم، فإن فعالية هذا المستجد تقتضي اعتماد تقدير موضوعي لضرورة التحقيق، يراعي خطورة الوقائع وتعقيدها، مع ضمان إمكان تدارك أوجه النقص في الأدلة وفق الآليات التي يتيحها القانون. فترشيد المسطرة ينبغي أن يؤدي إلى تسريع العدالة، دون أن يتحول إلى اختزال للإجراءات الضرورية لكشف الحقيقة.
وتكتسي المادة 15 بدورها أهمية خاصة، بالنظر إلى تنظيمها لسرية البحث والتحقيق، مع إتاحة إمكانية إطلاع الرأي العام على بعض المعطيات المتعلقة بالقضايا وإجراءاتها ومآلها، وفق الشروط والحدود القانونية، ودون تقييم الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص. ويعكس هذا التوجه محاولة للتوفيق بين حق المجتمع في المعلومة وواجب حماية سرية الإجراءات وقرينة البراءة وصيانة الحياة الخاصة. غير أن تنزيل هذه المقتضيات يقتضي التمييز بين الإخبار المؤسساتي المشروع والتشهير المقنع، وبين تقديم معلومات ضرورية لفهم مسار قضية معينة والتأثير في الرأي العام قبل صدور حكم نهائي.
وتبرز الإشكالية بصورة أوضح عندما تنتشر معطيات جزئية أو غير مكتملة عبر المنصات الرقمية، فتتشكل أحكام اجتماعية سابقة لأوانها، ويصبح الشخص موضوع المتابعة مطالباً بمواجهة آثار إعلامية قد تتجاوز في حدتها نتائج المسطرة القضائية نفسها. لذلك، ينبغي أن تخضع البلاغات الرسمية لمعايير الدقة والتناسب، وأن تحترم التمييز بين الاشتباه والمتابعة والإدانة، لأن قرينة البراءة ضمانة قانونية تستمر آثارها إلى أن يصدر حكم نهائي وفق الشروط المقررة.
وعلى مستوى حقوق الدفاع، تعزز المواد 134 و139 و140 مجموعة من الضمانات المرتبطة بإشعار المتهم بحقه في الاستعانة بمحام، واستدعاء هذا الأخير قبل الاستنطاق التفصيلي داخل الأجل القانوني، وتمكينه من الاطلاع على الملف وفق المقتضيات المنظمة لذلك. كما يتيح اعتماد الدعامة الإلكترونية تسهيل الوصول إلى الوثائق وتقليص بعض الصعوبات المرتبطة بتداول الملفات الورقية، مع مراعاة الاستثناءات القانونية المقررة في بعض القضايا ذات الطبيعة الخاصة.
وتكمن أهمية هذه المقتضيات في أن حق الدفاع يتجاوز الحضور الشكلي للمحامي إلى تمكينه من التحضير الفعلي للاستنطاق، وفهم الأدلة، ومناقشة عناصر الإثبات، وتقديم الملاحظات والطلبات المناسبة. غير أن الرقمنة تطرح بدورها تحديات مرتبطة بأمن المعطيات وسلامة الولوج إلى الملفات وحماية الوثائق من التسريب أو الاستعمال غير المشروع، فضلاً عن ضرورة ضمان تكافؤ الإمكانات التقنية بين مختلف المتدخلين. فاعتماد الوسائل الإلكترونية لا يحقق العدالة الإجرائية تلقائياً، وإنما يتطلب بنية تقنية مؤمنة وممارسات مؤسساتية واضحة.
وفي امتداد لهذه التحولات، تبرز المادة 87 من خلال البحث المتعلق بشخصية المتهم وظروفه العائلية والاجتماعية في الحالات التي يحددها القانون، إلى جانب البعد المالي الموازي في الجرائم المدرة للعائدات. ويكتسي هذا التوجه أهمية في تطوير السياسة الجنائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم الفساد وغسل الأموال والاعتداء على المال العام، حيث يتطلب كشف الحقيقة تتبع مصادر الأموال، وتحديد علاقتها بالأفعال موضوع البحث، ورصد مسارات انتقالها، مع مراعاة حقوق الغير حسن النية والضمانات القانونية المرتبطة بالحجز والعقل والتجميد.
غير أن فعالية البحث الاجتماعي والمالي تظل رهينة بتوافر أطر مؤهلة في مجالات علم الاجتماع القضائي والتحليل المالي والمحاسبي والجرائم الاقتصادية. كما أن اتخاذ تدابير تحفظية على الأموال يقتضي تحديداً دقيقاً لنطاقها وأساسها القانوني ومدتها وطرق الطعن فيها، منعاً لتحول الإجراء الاحترازي إلى مساس غير متناسب بحقوق الملكية أو بمصالح أشخاص لم تثبت صلتهم بالجريمة.
أما التفتيش والتنصت والتتبع التقني، فتجسد مجتمعة اتساع أدوات البحث الجنائي في البيئة الرقمية. وتنظم المواد 59 و60 و62 و101 القواعد المتعلقة بالتفتيش وساعاته القانونية، مع مراعاة الاستثناءات المقررة في الحالات التي يحددها النص، فيما تؤطر المواد 104 إلى 106 بعض إجراءات حجز الأشياء والمعطيات والبرامج المعلوماتية. وتكتسي هذه المقتضيات أهمية متزايدة بالنظر إلى تحول جزء من الأدلة الجنائية إلى بيانات إلكترونية وسجلات رقمية ووسائط تخزين قد تتضمن عناصر حاسمة في تحديد المسؤوليات.
وفي السياق ذاته، تنظم المواد 108 إلى 113 إجراءات التقاط المكالمات والاتصالات الإلكترونية، وشروط الترخيص ومدده والضوابط المتعلقة بالتسجيلات، بينما أحدثت المواد 116-1 إلى 116-6 إطاراً لاستعمال وسائل تقنية لتحديد المواقع والتصوير وتسجيل الأقوال، وفق قرارات معللة ومدد محددة، مع مراعاة الحظر المتعلق بوضع هذه الوسائل في أماكن السكن حماية لحرمة المسكن المكفولة دستورياً بموجب الفصل 24 من دستور 2011.
وتثير هذه الصلاحيات إشكالاً جوهرياً يتعلق بحدود التناسب بين خطورة الجريمة ومدى التدخل في الحياة الخاصة. فالتنصت والتتبع التقني قد يقدمان أدلة مهمة، غير أن مشروعية استعمالهما تقتضي احترام شروط الإذن والضرورة والمدة المحددة، وضمان سلامة حفظ التسجيلات وسلسلة حيازتها، وإتلافها وفق الحالات التي يحددها القانون. كما ينبغي أن تظل المعطيات المجموعة محصورة في الغرض القضائي الذي برر التدخل، تفادياً للتوسع في استعمالها أو تحويلها إلى وسيلة للمراقبة خارج الحدود القانونية.
ويظهر البعد الحقوقي للإصلاح بصورة أوضح في إعادة تنظيم المراقبة القضائية والاعتقال الاحتياطي. فقد أتاحت المادة 161، ضمن التدابير المرتبطة بالمراقبة القضائية، إمكانية إخضاع المتهم للمراقبة الإلكترونية بواسطة سوار يتيح تتبع تحركاته داخل النطاق الذي يحدده القرار القضائي. وتفتح هذه الآلية المجال أمام بديل عن الإيداع في السجن في الحالات التي تسمح فيها طبيعة القضية ومخاطرها بتحقيق أهداف المسطرة من خلال المراقبة، مع إخضاع الشخص لالتزامات محددة.
غير أن نجاح المراقبة الإلكترونية يقتضي تحديد الجهات المكلفة بتنفيذها، وضبط كيفية معالجة بيانات الموقع، وتحديد المسؤولية عند وقوع خلل تقني أو انقطاع الاتصال أو تسجيل تحركات غير دقيقة، فضلاً عن ضمان حق المعني بالأمر في الطعن في التدبير أو طلب تعديله وفق الشروط القانونية. كما يقتضي الأمر مراعاة التناسب بين القيود المفروضة وطبيعة القضية، حتى لا تتحول المراقبة إلى تقييد مفرط للحياة اليومية أو إلى عقوبة اجتماعية سابقة للحكم.
وترتبط هذه المستجدات بالمادتين 160 و161 بشأن المراقبة القضائية، وبالمواد 175 إلى 177 المنظمة للاعتقال الاحتياطي، الذي ينبغي أن يظل تدبيراً استثنائياً تبرره ضرورة إجرائية قائمة، بعد تعذر اللجوء إلى بديل مناسب، مع احترام التعليل الكتابي والمدد القانونية. كما تعزز المادة 181 سرعة البت في بعض الطعون المتعلقة بالسراح المؤقت، فيما تنظم المادة 181-1 مسطرة الطعن في قرارات محددة لغرفة الجنايات الابتدائية. وتستهدف هذه المقتضيات الحد من استمرار الاعتقال دون مبرر إجرائي كافٍ، وصيانة قرينة البراءة من الآثار التي قد تنتج عن تقييد الحرية قبل صدور حكم نهائي.
وفي نهاية التحقيق، تنظم المادة 216 حالات إصدار الأمر بعدم المتابعة عند انتفاء العناصر اللازمة لقيام الجريمة أو عدم كفاية الأدلة أو بقاء الفاعل مجهولاً، مع مراعاة أسباب انقضاء الدعوى العمومية المنصوص عليها في المادة 4، ومنها التقادم والعفو والصلح في الحالات التي يجيزها القانون. وتخضع أوامر الإحالة، وفق المادتين 217 و218، لقواعد الطعن المقررة قانوناً، بما يضمن انتقال الملف إلى مرحلة المحاكمة وفق الضوابط الإجرائية المحددة.
وخلاصة القول، يفتح القانون رقم 03.23 أفقاً جديداً لتطوير التحقيق الإعدادي بالمغرب، من خلال توسيع الأدوات التقنية، وإعادة تنظيم بعض التدابير المقيدة للحرية، وتعزيز عدد من ضمانات الدفاع، غير أن رهانه الحقيقي يظل مرتبطاً بسلامة التنزيل وتوحيد الممارسة القضائية وتوفير الموارد اللازمة للتنفيذ. فالتشريع الفعال هو الذي يجمع بين وضوح القاعدة وقابلية التطبيق والرقابة على استعمال السلطة، ويضمن أن تظل التكنولوجيا وسيلة لخدمة العدالة، وأن يبقى الاعتقال تدبيراً تحكمه الضرورة، وأن تكون حماية الحرية الفردية جزءاً أصيلاً من نجاعة السياسة الجنائية، لا عائقاً أمامها.

التعليقات مغلقة.