أدى تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على واردات النحاس إلى تدفق كميات ضخمة من المعدن نحو الولايات المتحدة، لترتفع المخزونات إلى مستويات قياسية تجاوزت مليون طن متري، دون الحاجة إلى إنفاق أموال عامة. غير أن هذه التدفقات بدأت تتباطأ في الآونة الأخيرة، مع ترقب الأسواق قرار الإدارة الأميركية بشأن الرسوم المحتملة.
وتسببت هذه السياسة في تركز نحو 70% من مخزونات النحاس العالمية المعروفة داخل المستودعات الأميركية المعتمدة لدى بورصة «كومكس»، ما أدى إلى تراجع الإمدادات المتاحة في مناطق أخرى من العالم، ودفع الأسعار إلى الارتفاع رغم استمرار وجود فائض في المعروض العالمي.
وقال توم برايس، المحلل لدى شركة «بانمور ليبيروم»، إن المتداولين كانوا المستفيد الأكبر من هذه التطورات، مشيراً إلى أن هناك بدائل أقل تكلفة لتجميع النحاس من الأسواق العالمية خارج البورصات، بدلاً من نقله بكميات كبيرة إلى الولايات المتحدة.
ومن المنتظر أن يحتل توقيت فرض الرسوم الجمركية الأميركية على النحاس، ومدى استمرار التوقعات بتطبيقها، حيزاً مهماً من النقاشات خلال أسبوع بورصة لندن للمعادن، الذي ينطلق في العاصمة البريطانية يوم 18 أكتوبر، ويجمع سنوياً أبرز الفاعلين في صناعة المعادن.
تهديدات الرسوم ترفع أسعار النحاس الأميركي
بدأ المتعاملون في شحن النحاس إلى الولايات المتحدة بعدما أصدر ترامب، في فبراير من العام الماضي، توجيهات بإجراء دراسة حول إمكانية فرض رسوم جمركية على واردات المعدن.
وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النحاس في بورصة «كومكس» إلى مستويات قياسية، إذ بلغت 6.83 دولارات للرطل، أي ما يعادل 15,057 دولاراً للطن، في 22 سبتمبر.
كما نشأت فرصة للمراجحة السعرية، تمثلت في تحقيق عائد من شراء النحاس في الأسواق الأخرى وإعادة بيعه في الولايات المتحدة، بعدما أصبحت الأسعار في «كومكس» أعلى من أسعار بورصة لندن للمعادن، حتى بعد احتساب تكاليف الشحن والتأمين.
وسجل الفارق السعري مستوى قياسياً تجاوز 3,000 دولار للطن في يوليو من العام الماضي، قبل أن يتراجع تدريجياً، مع بقائه عند مستويات جعلت نقل النحاس إلى الولايات المتحدة مربحاً خلال فترات عديدة، وإن لم يكن ذلك مجدياً في جميع الأوقات.
ويبلغ الفارق السعري حالياً نحو 310 دولارات للطن، وهو ما يعكس تراجع جاذبية عمليات الشحن مقارنة بالفترة التي بلغت فيها الأسعار مستوياتها القياسية.
وفي هذا السياق، قال تشارلز كوبر، المحلل لدى شركة «وود ماكنزي»، إن الولايات المتحدة تمكنت من بناء مخزون كبير من النحاس دون تحميل دافعي الضرائب أعباء مالية مباشرة، بفضل السياسات التجارية والتهديد المستمر بفرض رسوم على الواردات.
وأضاف أن تراجع فرص المراجحة السعرية قلّص الحوافز أمام المتعاملين لمواصلة نقل كميات إضافية من النحاس إلى السوق الأميركية.
قرار الرسوم الجمركية يضع الأسواق أمام حالة من الترقب
كان من المقرر أن تقدم وزارة التجارة الأميركية تقريراً بشأن سوق النحاس المحلية بحلول 30 يونيو، تمهيداً لاتخاذ قرار حول فرض رسوم جمركية بنسبة 15% على واردات النحاس المكرر ابتداءً من الأول من يناير 2027، على أن ترتفع النسبة إلى 30% في عام 2028.
لكن القرار لم يُعلن عنه حتى الآن، ما أبقى الأسواق في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل التدفقات التجارية واتجاهات الأسعار.
وترجح أليس فوكس، المحللة لدى «ماكواري»، أن يمر الموعد المحدد في يناير دون صدور قرار نهائي، وهو ما قد يترك ملف الرسوم الجمركية معلقاً لفترة إضافية.
وأوضحت أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تراجع الفارق السعري على المدى القصير، قبل أن يستعيد مستوياته الحالية لاحقاً. وترى أن الفارق قد لا يكون كافياً لتحفيز تدفقات جديدة كبيرة من النحاس إلى الولايات المتحدة، لكنه سيظل مرتفعاً بما يكفي للإبقاء على المعدن داخل السوق الأميركية.
وتقدر «ماكواري» إجمالي مخزونات النحاس في الولايات المتحدة، سواء داخل المستودعات المعتمدة لدى البورصات أو خارجها، بنحو 1.6 مليون طن.
ومنذ نهاية فبراير من العام الماضي، ارتفعت مخزونات النحاس المسجلة لدى «كومكس» بنحو 750%، لتتجاوز 714 ألف طن.
كما زادت كميات النحاس المخزنة في مستودعات بورصة لندن للمعادن في مدينتي نيو أورلينز وبالتيمور بنسبة 44% منذ منتصف أغسطس، لتقترب من 130 ألف طن.
وبصورة إجمالية، تجاوزت مخزونات النحاس المسجلة لدى بورصة «كومكس» وبورصة شنغهاي للعقود الآجلة وبورصة لندن للمعادن مليون طن، في مؤشر على التحولات الكبيرة التي شهدتها حركة المعدن عالمياً.
فائض النحاس في الولايات المتحدة يثير تساؤلات بشأن السوق العالمية
تتوفر الولايات المتحدة حالياً على كميات من النحاس تفوق احتياجاتها بكثير، إذ يتوقع توم برايس أن يصل فائض المعروض الأميركي إلى نحو 1.6 مليون طن خلال العام الجاري.
وتشير بيانات شركة «تريد داتا مونيتور»، المتخصصة في توفير المعلومات التجارية، إلى أن الولايات المتحدة استوردت أكثر من 1.62 مليون طن من النحاس خلال العام الماضي، بزيادة بلغت 80% مقارنة بعام 2024.
وفي المقابل، قدرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الإنتاج المحلي من النحاس بنحو مليون طن خلال العام نفسه، وهو ما يعزز المعطيات المتعلقة بوجود فائض كبير في السوق. ويتوقع محللون استمرار وضع مماثل خلال العام الجاري.
ويرتبط تصريف هذه الكميات الفائضة بمدى قدرة الأسعار في بورصتي لندن وشنغهاي على الارتفاع بصورة ملحوظة مقارنة بأسعار النحاس في «كومكس»، بما يجعل إعادة تصدير المعدن من الولايات المتحدة عملية مجدية اقتصادياً.
وقد يتطلب ذلك وصول نقص الإمدادات في الأسواق خارج الولايات المتحدة إلى مستويات حرجة، بما يدفع الأسعار العالمية إلى تعديل مسارها وفقاً لاختلالات العرض والطلب.
وفي هذا الإطار، أوضح برايس أن ظهور فائض واضح في المخزونات الأميركية بالتزامن مع نقص حاد في الإمدادات بمناطق أخرى سيؤدي إلى انعكاس هذه التطورات على أسعار النحاس في الولايات المتحدة وبورصة لندن للمعادن.
وتكشف هذه التطورات عن تأثير التهديدات التجارية في حركة المعادن عالمياً، إذ لم يقتصر أثر الرسوم الجمركية المحتملة على الأسعار الأميركية، بل امتد إلى توزيع المخزونات وتوازن الإمدادات بين الأسواق، في وقت تترقب فيه شركات التعدين والمتعاملون القرار النهائي للإدارة الأميركية لتحديد توجهاتهم المقبلة.
التعليقات مغلقة.