أول جريدة إلكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة

القدرة الشرائية وغلاء المعيشة حكومة المنصوري أمام اختبار اجتماعي صعب

المصطفى الوادي

كشفت نتائج البحث الظرفي لدى الأسر، الذي نشرته المندوبية السامية للتخطيط برسم الفصل الثالث من سنة 2026، عن مؤشرات مقلقة بشأن الوضع المعيشي للمغاربة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، ما يضع الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري أمام تحديات اجتماعية واقتصادية تتطلب إجراءات عملية تستجيب لانتظارات المواطنين.

وأفادت معطيات المندوبية بأن 76,3 في المائة من الأسر المغربية صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا الماضية، مقابل 5,2 في المائة فقط سجلت تحسنا. كما أظهرت النتائج أن 39 في المائة من الأسر تلجأ إلى الاستدانة أو السحب من مدخراتها لتغطية نفقاتها، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر القادرة على ادخار جزء من دخلها 2,8 في المائة.

وتعكس هذه الأرقام حجم الصعوبات التي تواجهها الأسر المغربية، خصوصا الفئات المتوسطة والهشة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص هامش الادخار، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مدى قدرة السياسات الاقتصادية والاجتماعية على تحسين الظروف المعيشية وضمان التوازن بين الدخل والنفقات الأساسية.

تشاؤم بشأن المستقبل وارتفاع تكاليف المعيشة

وأبرزت نتائج البحث أن 63,8 في المائة من الأسر تعتبر الظرفية الحالية غير ملائمة لاقتناء السلع الكمالية، فيما تتوقع 51,7 في المائة منها استمرار تدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، مقابل 8,7 في المائة فقط تنتظر تحسنا.

وتأتي هذه المؤشرات في سياق يتسم باستمرار شكاوى المواطنين من غلاء المعيشة، رغم تسجيل انخفاض في الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,3 في المائة خلال غشت 2026، وتراجع أثمان المواد الغذائية بنسبة 3,9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

وفي هذا السياق، يبرز الفرق بين تراجع معدل التضخم وانخفاض الأسعار بشكل فعلي، إذ إن تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة عودتها إلى مستوياتها السابقة، ولا يؤكد استعادة الأسر لقدرتها الشرائية، التي تظل مرتبطة بمدى تناسب المداخيل مع تكاليف الغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة.

كما أن استمرار ارتفاع أسعار بعض المواد الأساسية، وفي مقدمتها اللحوم، إلى جانب المحروقات ونفقات أخرى، يطرح ضرورة تقييم انعكاسات تطور الأسعار على الاستهلاك اليومي للأسر، وتعزيز مراقبة الأسواق وحماية المستهلك ومحاربة الممارسات الاحتكارية التي قد تضر بالمنافسة.

البطالة والادخار.. تحديات إضافية أمام الحكومة

ولا يمكن فصل تدهور الوضع المعيشي عن إشكالية البطالة، التي تظل من أبرز التحديات الاجتماعية، خاصة بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات والنساء.

وتتطلب معالجة هذا الملف، إلى جانب تحسين القدرة الشرائية، اعتماد سياسات قادرة على خلق فرص شغل مستقرة، وربط التكوين بحاجيات سوق العمل، وتحسين ظروف العمل والدخل، بما يتيح للأسر مواجهة نفقاتها الأساسية دون اللجوء المتكرر إلى الاستدانة أو استنزاف مدخراتها.

كما تفرض محدودية قدرة الأسر على الادخار التفكير في إجراءات اقتصادية واجتماعية أكثر فعالية، تستهدف الفئات الأكثر تضررا من تقلبات الأسعار، وتعمل على تخفيف الضغط عن ميزانياتها وتعزيز استقرارها المالي.

حكومة المنصوري أمام امتحان استعادة ثقة المواطنين

وتضع هذه المؤشرات الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار حقيقي، يتمثل في مدى قدرتها على تحويل الالتزامات الحكومية إلى تدابير ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمغاربة، من خلال تحسين القدرة الشرائية، وتوسيع فرص الشغل، وتعزيز المنافسة، ومراقبة الأسعار وحماية المستهلك.

كما يطرح تشكيل الحكومة الجديدة تساؤلات بشأن طبيعة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية التي ستعتمدها، ومدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في السياسات والنتائج، خاصة أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقوده المنصوري، شارك في الحكومة السابقة إلى جانب حزب الاستقلال.

وبالتالي، فإن التحدي لا يرتبط فقط بتغيير المسؤولين أو إعادة ترتيب الحقائب الوزارية، بل بمدى القدرة على معالجة الاختلالات التي تؤثر على معيشة المواطنين، وتقديم حلول قابلة للتقييم والمحاسبة، تستجيب لانتظارات الأسر المغربية.

وتكتسي المرحلة المقبلة أهمية خاصة في ظل ترقب توجهات الحكومة الجديدة في الملفات الاجتماعية والاقتصادية، خصوصا القدرة الشرائية والتشغيل وغلاء الأسعار، وهي ملفات ستشكل أحد أبرز معايير تقييم أدائها.

وبين المؤشرات التي تكشف عن تزايد الضغوط المعيشية وانتظارات المواطنين، يبقى الرهان الأساسي أمام حكومة المنصوري هو تحقيق تحسن ملموس في ظروف عيش الأسر، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويجعل أثر السياسات العمومية واضحا في الحياة اليومية للمغاربة.

التعليقات مغلقة.